روى الطبري (19/322)مصدر غير محدد١٩/٣٢٢ عن قتادة ومجاهد والحسن: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً} أي إن في إخراج النبات من الأرض الميتة وتنوع أصنافه لدلالة عظيمة وبرهاناً ساطعاً على قدرة الله على البعث ووحدانيته في ألوهيته؛ {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} أي ومع وضوح هذه الآية وقوة برهانها لم يكن أكثر الناس بمصدقين ولا مؤمنين، بل غلب عليهم الشقاء والضلال في سابق علم الله.
قال ابن كثير (6/136)مصدر غير محدد٦/١٣٦: "هذه الآية تتكرر في هذه السورة بعد كل قصة من قصص الأنبياء؛ بياناً لأن في كل قصة ومآلها دلالة قاطعة وعبرة لمن اعتبر؛ ومع هذا الوضوح والجلاء فإن أكثر الناس معرضون عن الإيمان، كما قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}".
بين ابن عاشور في التحرير والتنوير (19/78)مصدر غير محدد١٩/٧٨: هذه الجملة هي اللازمة الإيقاعية الكبرى للسورة، وجاءت هنا أول مرة تعقيباً على دليل الآفاق والنبات، لتكون ميزاناً يزن به القارئ مواقف الأمم المكذبة عبر مسار التاريخ الإنساني.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{فِي ذَٰلِكَ}: في حرف جر، "ذلك" اسم إشارة مبني في محل جر بفي، واللام للبعد والكاف للخطاب، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر "إن" مقدم. والإشارة إلى الإنبات العجيب المذكور.
{لَآيَةً}: اللام المزحلقة للتوكيد، "آية" اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة؛ ونُكرت للدلالة على التعظيم والكمال (أي لآية باهرة عظيمة).
{وَمَا}: الواو حالية أو استئنافية، "ما" نافية.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{أَكْثَرُهُم}: اسم كان مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{مُّؤْمِنِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أول ترجيع للازمة السورة المحورية: هذا الموضع هو المبتدأ للازمة القرآنية التي تتكرر ثماني مرات في السورة؛ فجاءت أولاً بعد آية النبات والكون، ثم تأتي سبع مرات بعد قصص الأنبياء السبعة، في نسق فني إعجازي يربط آيات الآفاق بآيات التاريخ البشري.
التسلية المستمرة للنبي صلى الله عليه وسلم: تعقيب الآية بقوله: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} يثبت فؤاد النبي؛ فإعراض قومه ليس لنقص في وضوح البراهين، بل لأن سنة الله في الأمم المعاندة جرت بأن أكثرهم يؤثرون العمى على الهدى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة "الأكثرية ليست معياراً للحق":
محاكمة عقلية واجتماعية تفكك مغالطة الاحتجاج بالكثرة؛ فالقرآن يقرر في مواضع شتى أن الكثرة العددية في المجتمعات البشرية غالباً ما تكون على الضلال والهوى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}، {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
معيار الحق هو موافقة البرهان والدليل الشرعي والعقلي، ولو كان المتمسك به واحداً في الميدان؛ فلا يغتر العاقل بكثرة الهالكين ولا يستوحش من قلة السالكين.
الجمع بين كفاية الآية وعدم الإيمان:
الدليل تام وكاف في ذاته {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً}، ولكن الخلل في المحل القابل وهو القلب الغافل المعاند؛ فالأعمى لا يرى ضوء الشمس الساطع لعلة في عينيه لا لنقص في ضياء الشمس.
توكيدات الجملة الاسمية {إِنَّ... لَآيَةً}: تأكيد بـ "إن" وباللام المزحلقة وبتنكير "آية"؛ لقطع دابر الشك في وضوح البرهان الإلهي.
التعبير بـ {مَا كَانَ}: لنفي الكون الإيماني واستبعاد اتصافهم به في ماضيهم وحاضرهم لعنادهم الراسخ.
تدبر فقه الابتلاء: الإيمان ليس نتيجة ميكانيكية لرؤية المعجزات، بل هو خضوع قلبي اختياري يتطلب صدق النية والافتقار إلى الهداية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحرر من عقدة الانبهار بالأكثرية: عدم الانجرار خلف التيارات الفكرية المنحرفة أو الموضات الأخلاقية السائدة بحجة أن "كل الناس يفعلون ذلك"؛ فالكثرة لا تصحح الخطأ.
الصبر على قلة المستجيبين للدعوة: ألا ييأس الداعية والمربي إذا رأى انصراف غالبية الناس عن حضور مجالس العلم أو تطبيق السنن؛ فمهمته التبليغ والاستمرار.
تعليق القلب بالآيات: التعود على استخراج الدلائل الإيمانية من كل مفردات الحياة؛ ليزداد الإيمان رسوخاً وثباتاً.