روى الطبري (19/340)مصدر غير محدد١٩/٣٤٠ عن ابن عباس ومجاهد والسدي: {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ} من يده على الأرض في مجلس فرعون، {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} أي تحولت تلك العصا الخشبية اليابسة في طرفة عين إلى حية عظيمة هائلة ذكراً؛ فاتحة فاها بين لحييها ثمانون ذراعاً، ترتفع عن الأرض وتتحرك بسرعة هائلة وتصدر فحيحاً مرعباً، فهال ذلك فرعون وملأه وفزعوا ووثب فرعون عن سريره هارباً من شدة الرعب.
قال ابن كثير (6/143)مصدر غير محدد٦/١٤٣: "{ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} أي ظاهر بين لا خفاء فيه ولا شبهة، ليس سحراً ولا تخييلاً ولا تمويهاً على الأعين، بل حية حقيقية عظيمة الحجم، فغرت فاها وابتلعت الصخور وما مرت به؛ فبهت الحاضرون وأيقنوا أنها قدرة إلهية خارقة للعادة".
بين القرطبي (13/108)مصدر غير محدد١٣/١٠٨: وُصفت العصا في القرآن بثلاثة أوصاف بحسب المقامات:
{جَانٌّ}: في مقام التأنيس لموسى في أول النبوة، تشبيهاً لها في سرعة حركتها وخفتها بالجان (الحية الدقيقة السريعة).
{حَيَّةٌ تَسْعَىٰ}: لبيان جنس الكائن الحي ونبض الحياة فيه وحركته.
{ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ}: في مقام المنازلة مع فرعون والسحرة؛ لإبراز العظمة والهول والضخامة التي ترعب الجبابرة وتفضح سحرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَلْقَىٰ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب المباشر وسرعة الامتثال، ألقى فعل ماض مبني على فتح مقدر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (موسى). والإلقاء: الرمي والطرح من اليد.
{عَصَاهُ}: عصا مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة للتعقيب والمفاجأة، "إذا" فجائية مبنية على السكون لا محل لها من الإعراب تفيد وقوع الأمر بغتة دون مهلة وتغييراً مفاجئاً للحال.
{هِيَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، يعود على العصا.
{ثُعْبَانٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. والثعبان: ذكر الحيات العظيم الهائل الضخم، مأخوذ من ثعب الماء إذا فجره وسال بقوة لسرعة انسيابه واندفاعه.
{مُّبِينٌ}: نعت لـ "ثعبان" مرفوع بالضمة؛ أي واضح جلي حقيقي لا شك في حياته وجرمه وحركته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الاستجابة الإعجازية: الفاء في {فَأَلْقَىٰ} والفاء في {فَإِذَا}؛ فاءان متعاقبتان تفيدان أنه بمجرد أن طلب فرعون الآية ألقى موسى عصاه فوراً، وبمجرد أن لامست الأرض تحولت مفاجأة إلى ثعبان مبين؛ لقطع دابر أي توهم بتحضير حيل أو استخدام أدوات سحرية.
المطابقة للفظ السابق: في الآية (30) قال موسى: {بِشَيْءٍ مُّبِينٍ}، وهنا جاء التحقق الصادق: {ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ}؛ فكان الوصف بالمبين مطابقاً للوعد تماماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق الجوهري بين المعجزة الإلهية والسحر التخييلي:
معجزة موسى قلبت حقائق الأعيان؛ تحول الجماد الخشبي الميت إلى كائن حي بيولوجي ذي لحم ودم وعظام وحركة حقيقية، وهذا ما تعجز عنه البشرية جمعاء ولا يقدر عليه إلا خالق الحياة سبحانه.
أما السحر فليس قلباً للأعيان، بل هو تمويه وخداع للأبصار وتأثير نفسي تخييلي تبقى فيه الحبال حبالاً والعصي عصياً؛ ولذا لما رأى السحرة بعد ذلك التقام الثعبان لحبالهم علموا يقيناً أنه ليس بسحر، فخروا سجداً.
الإعجاز في اختيار العصا:
العصا أداة راعي الغنم البسيطة الخشبية، جعلها الله أعظم أداة لكسر كبرياء أعظم إمبراطورية في ذلك العصر، ليعلم الطغاة أن بطشهم يهدمه الله بأهون الأشياء في أيديهم.
الدلالة النفسية لـ "إذا الفجائية" {فَإِذَا هِيَ}: تفيد مباغتة الحواس وذهول العقول؛ إذ لم يكن هناك تدرج أو نمو، بل تحول آني صاعق أطاح بهيبة المجلس.
التعبير بلفظ {ثُعْبَانٌ}: اللفظ بحد ذاته يثير الرعب بصوته وحروفه، مع الوصف بـ {مُّبِينٌ} لنفي التهيؤات البصرية.
تدبر طلاقة القدرة الإلهية: الذي حول الخشب الجاف إلى ثعبان حي قادر على أن يحيي القلوب الميتة بنور الوحي، وقادر على أن يبعث الأجساد الميتة من قبورها يوم النشور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعانة بتأييد الله في ساعات الشدة: اليقين بأن الله يؤيد أولياءه ودعاته بكراماته وبراهينه القاهرة التي تخرس ألسنة المكذبين عند اشتداد المحن.
كسر كبرياء الجبابرة بآيات الله: رؤية الطغاة وهم يرتعدون فزعاً من آية إلهية صغيرة يرسخ في قلب المسلم هوان الباطل وضعفه الحقيقي برغم عضلاته الظاهرة.
الإيمان بالمعجزات النبوية: تعظيم معجزات أنبياء الله ورسله والتسليم بقدرة الله المطلقة التي لا تحدها قوانين المادة ولا علوم الطبيعة.