روى الطبري (19/378)مصدر غير محدد١٩/٣٧٨ عن قتادة والحسن: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} أي وأرجو رجاءً صادقاً أن يصفح ربي عن ذنوبي ويتجاوز عني يوم الجزاء والحساب حين يدين الله العباد بأعمالهم.
قال ابن كثير (6/152)مصدر غير محدد٦/١٥٢: "أي لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو؛ ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ وقد كان إبراهيم عليه السلام معصوماً من الكبائر، ولكن الأنبياء يستغفرون تواضعاً وهضماً لأنفسهم واستشعاراً لعظمة الله، أو عن تلك التعريضات الثلاث التي قالها في ذات الله: {إِنِّي سَقِيمٌ}، و{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا}، وقوله عن سارة: {إِنَّهَا أُخْتِي}".
روى البخاري (3358) ومسلم (2371) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في حديث الشفاعة الطويل أن إبراهيم يذكر كلماته الثلاث ويعتذر بها ويقول: "نفسي نفسي!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِي}: الواو عاطفة، {الَّذِي}: اسم موصول معطوف في محل نصب.
{أَطْمَعُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره (أنا)؛ والطمع هو شدة الرغبة وتوقع الفضل من الكريم مع عدم الإدلال بالعمل.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{يَغْفِرَ}: فعل مضارع منصوب بـ {أَن} وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)؛ والمصدر المؤول {أَن يَغْفِرَ} في محل نصب مفعول به للفعل {أَطْمَعُ} أو بحرف جر محذوف (في أن يغفر).
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بـ {يَغْفِرَ}، وهو مضاف.
{الدِّينِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والمراد بيوم الدين: يوم الجزاء والحساب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج نعم الرب بنعمة المغفرة الأخروية:
تدرج إبراهيم من النعم الدنيوية الجسدية (الخلق، الرزق، الشفاء) إلى نهاية الدنيا (الموت والبعث)، ثم ارتقى إلى الغاية القصوى التي تهم العبد في اليوم الآخر وهي: مغفرة الذنوب والنجاة من عذاب النار؛ ليعلم المشركون أن أصنامهم لا تملك غفران سيئة واحدة، وأن ملاذ المذنبين ونجاة الصالحين معلقة بمغفرة رب العالمين وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عصمة الأنبياء وقول الخليل {خَطِيئَتِي}:
شبهة: كيف يعترف الخليل بالخطيئة مع ثبوت عصمة الأنبياء من الكبائر والذنوب المخلة بالرسالة؟
الجواب المحكم عند أهل السنة:
حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ فالأنبياء لعظم معرفتهم بجلال الله يرون ترك الأولى أو الاشتغال بالمباح تقصيراً في جنب الله يستوجب الاستغفار.
أطلق الخطيئة مبالغة في التواضع وهضم النفس أمام رب العزة، ليعلم أمته الاستغفار والافتقار وعدم الإدلال بالأعمال الصالحة.
ما جاء في الحديث من إطلاقه على الكلمات الثلاث (المعاريض) التي قصد بها التوحيد ونصرة الدين، وسماها خطيئة تورعاً وحياءً من مقامه العالي عند الله.
التعبير بـ {أَطْمَعُ} دون "أجزم": كمال الأدب مع الله؛ فالخليل وهو خليل الرحمن وإمام الحنفاء لم يدخل الجنة بعمله وحده ولم يدلّ على ربه بخلته، بل دخل بطمع الفضل والرحمة والمغفرة؛ فكيف بغيره من المذنبين المقصرين؟!
تسمية اليوم الآخر بـ {يَوْمَ الدِّينِ}: للتذكير بالعدل المطلق وحساب الذرات، حيث تدان النفوس بأعمالها، فلا نجاة حينئذ إلا بمغفرة الله ورحمته.
تدبر هضم النفس: كلما ارتقى العبد في درجات القرب والولاية، ازداد شهوداً لتقصيره وطمعاً في عفو سيده ومولاه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة الغرور بالعمل: لا يغتر عامل بصلاحه ولا داعية بجهاده؛ فالنجاة يوم القيامة بمحض رحمة الله وفضله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ".
الرجاء المقرون بالعمل: طمع إبراهيم لم يكن تمنياً فارغاً مع الإصرار على الغفلة، بل كان رجاءً ممتلئاً بالجهاد والتوحيد والاستقامة.