روى الطبري (19/336)مصدر غير محدد١٩/٣٣٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {قَالَ} موسى مجيباً لفرعون: رب العالمين هو خالق السماوات العلى، والأرض السفلى، وما بينهما من الخلائق والرياح والسحاب والأفلاك، ومالك ذلك كله ومدبره، لا شريك له في خلقه وملكه؛ {إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} أي إن كانت لكم قلوب توقن بالحقائق وتبصر الدلائل وتقبل البراهين، فإن هذا الكون الباهر برهان قاطع لا يقبل جحوداً.
قال ابن كثير (6/141)مصدر غير محدد٦/١٤١: "عدل موسى عليه السلام عن جوابه عما سأل عنه من الماهية؛ لأن الله لا تدركه الأبصار ولا تحيط به العقول في ماهيته، وأجابه بآثاره وأفعاله الدالة عليه قطعا؛ فبين له أنه خالق هذا العالم المشهود: سماواته وأرضه وما بينهما؛ فإن كنتم موقنين بوجود هذا العالم فاعلموا أن له صانعاً حكيماً قديراً هو ربه ومليكه".
بين القرطبي (13/104)مصدر غير محدد١٣/١٠٤: الحكيم إذا سئل عما لا يصح السؤال عنه ينبغي أن يصرف السائل إلى ما ينفعه ويعرفه بالحق؛ فصرف موسى فرعون من السؤال عن ذات الله إلى النظر في مخلوقات الله الكبرى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (موسى).
{رَبُّ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو رب (أو مبتدأ خبره محذوف)، وهو مضاف.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف على السماوات مجرور بالكسرة.
{وَمَا}: اسم موصول معطوف مبني على السكون في محل جر.
{بَيْنَهُمَا}: بين ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، وهما مضاف إليه.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتُم}: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها والميم للجمع.
{مُّوقِنِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله تقديره: إن كنتم موقنين فاعلموا أنه رب العالمين. واليقين: استقرار العلم الجازم الذي لا يتطرق إليه شك ولا ريب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البراعة المنطقية في أسلوب الحكيم: فرعون سأل عن الماهية بـ "ما"، وموسى أجابه بالصفات والأفعال المشهودة المحيطة بالجميع؛ ليلزمه بالحجة من خلال ما يراه بعينيه ولا يستطيع إنكاره.
الاستيعاب الكوني المطلق: ذكر السماوات (العالم العلوي)، والأرض (العالم السفلي)، وما بينهما (عالم الجو والفضاء والوسائط)؛ ليعلم فرعون أنه ومن في مجلسه ومملكته داخلون في نطاق قهر هذا الرب وربوبيته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان الإيجاد والنظام الكوني:
محاكمة عقلية تفحم كل ملحد؛ هذا الكون الشاسع بنجومه وسماواته وأرضه لا يمكن أن يخلق نفسه، ولا يمكن أن ينشأ بلا موجد؛ وبما أن فرعون لم يخلق السماء ولا الأرض ولا يدعي ذلك عاقل، تعين عقلاً أن خالقها هو رب العالمين الحق.
الرد على سفسطة فرعون بالشرط الإيقاني:
قوله {إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} ليس تشكيكاً في الدليل، بل هو فضح لنفسية المخاطب؛ أي إن كنتم تطلبون الحق بقلوب تبحث عن اليقين والبرهان فهذا دليله كافٍ شمسٌ ساطعة؛ أما إن كنتم معاندين مكابرين تلتمسون المغالطات فلن ينفعكم أوضح البراهين.