روى الطبري (19/421)مصدر غير محدد١٩/٤٢١ عن مجاهد وقتادة وابن عباس: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم} قالوا: تتركون ما خلق الله لكم وأحله لكم من النساء في أرحامهن وأفراجهن لقضاء الشهوة واستبقاء النسل وعمارة الأرض؛ {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} أي بل أنتم قوم مجاوزون للحدود، ظالمون معتدون على شرع الله وفطرته النقية.
قال ابن كثير (6/161)مصدر غير محدد٦/١٦١: "أي خلق الله لكم الإناث وجعل فيهن موضع الحرث والنسل وقضاء الوطر الحلال، فتركتم ذلك الحلال الطيب وطلبتم الحرام الخبيث؛ وهذا غاية العدوان والظلم والجهل".
قال القرطبي (13/122)مصدر غير محدد١٣/١٢٢: "العادون: المتجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم؛ يقال: عدا فلان طوره أي تجاوزه؛ فسمي فعلهم عدواناً لأنه خروج عن مقتضى الفطرة والعقل".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَتَذَرُونَ}: الواو عاطفة أو حالية؛ {تَذَرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ ومادته (وذر) وتفيد الترك والإهمال العمدي.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل {تَذَرُونَ}.
{خَلَقَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{لَكُمْ}: جار ومجرور متعلق بالفعل {خَلَقَ}.
{رَبُّكُم}: فاعل مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع؛ وجملة خلق صلة الموصول {مَا} لا محل لها من الإعراب.
{مِّنْ أَزْوَاجِكُم}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الموصول {مَا} أو بيان له، و(من) بيانية، والكاف مضاف إليه.
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال مبني على السكون.
{أَنتُمْ}: ضمير منفصل مبتدأ.
{قَوْمٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَادُونَ}: نعت لـ {قَوْمٌ} مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم؛ وهو اسم فاعل من عدا يعدو إذا اعتدى وتجاوز الحد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الفاضحة بين الرجس المرتكب والبديل الحلال المتروك:
قابلت الآيتان (165 و166) بين أمرين:
ما يرتكبونه من خبيث مستقذر: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ}.
ما يتركونه من حلال طيب مبارك: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم}.
لبيان أنه لا عذر لهم في الحرام؛ فالطريق الحلال متاح وميسر ومهيأ ومفطور، ولكنهم أعرضوا عنه شهوةً واعتداءً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد دعوى "الحرية الشخصية" في الانحراف الجنسي:
حكم القرآن الحاسم: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}؛ فسمى القرآن هذا الفعل "عدواناً"؛ لأنه اعتداء على سنن الله في الخلق، واعتداء على حق المرأة في المعاشرة والنسل، واعتداء على المجتمع بتدمير خلاياه الأسرية، واعتداء على الفطرة الإنسانية بالتدنيس؛ فالحدود الإلهية خطوط حمراء وتجاوزها ليس حرية بل هو عدوان وبغي يستوجب العقوبة الرادعة.