روى الطبري (19/365)مصدر غير محدد١٩/٣٦٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما خرج آخر بني إسرائيل من البحر، وتكامل فرعون وجنوده في وسطه، أمر الله البحر أن يرتطم عليهم ويلتئم، فانطبقت جدران الأمواج العاتية كالطود العظيم وتلاقت المياه، وغمرت فرعون وجنوده وركبانه في لجة واحدة؛ فصاروا يغوصون في قاع البحر كالحجارة، وتكسرت مراكبهم، وماتوا جميعاً غرقاً وخنقاً ورعباً؛ ولم يفلت منهم عين تطرف ولا مخبر يخبر، وطفت جثثهم على الساحل ليشهد بنو إسرائيل مصرع طاغيتهم عياناً وتطمئن قلوبهم.
قال ابن كثير (6/151)مصدر غير محدد٦/١٥١: "{ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} أي أطبقنا عليهم البحر بعدما تلاحقوا فيه وتكاملوا، فلم ينجُ منهم أحد، بل غرقوا عن بكرة أبيهم في مشهد مروع؛ كما قال تعالى: {فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}، وكما قال في يونس: {حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}".
بين القرطبي (13/123)مصدر غير محدد١٣/١٢٣: في التعبير بـ {ثُمَّ} إشارة إلى التراخي الزمني حتى يخرج آخر رجل من بني إسرائيل ويستقر فرعون وجنوده في فخ الهلاك، أو التراخي الرتبي لعظم هول الانتقام وفظاعة المشهد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي الزمني والرُّتبي المعنوي لعظم الحادثة وهولها.
{أَغْرَقْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل. والإغراق: الغمر بالماء حتى الموت انقطاعاً للنفس.
{الْآخَرِينَ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والمراد فرعون وجنوده وجيوشه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيجاز القهر الإلهي: كلمتان في القرآن تختزلان فناء أعظم إمبراطورية في ذلك العصر: {أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ}؛ لم يحتج الأمر إلى معارك طاحنة ولا إلى حصار طويل، بل التقت المياه بقطرة أمر واحدة فانتهى كل شيء!
التمهيد الفوري للازمة القرآنية: هذا المشهد الختامي العظيم استوجب التعقيب الإيقاعي الحاسم في الآيتين التاليتين: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً}، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجزاء من جنس العمل:
محاكمة ربانية دقيقة؛ فرعون الذي كان يذبح أطفال بني إسرائيل ويلقيهم في ماء النيل، والذي تفاخر بالماء والأنهار قائلاً: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي}، عاقبه الله بالماء ذاته، فصار البحر يجري من فوقه ويخنقه حتى الموت، ليعلم أن الماء جند من جنود الله يحيي به من يشاء ويهلك به من يشاء.
سقوط خرافة "الحاكم الإله":
أثبت غرق فرعون في بضع دقائق كذب دعواه بالألوهية؛ فالإله المزعوم لم يستطع أن يحبس عن فمه قطرة ماء واحدة، واختنق ومات كأحقر كائن حي، ونبذ بدنه على الساحل ليكون لمن خلفه آية.
الإيجاز الإعجازي بحذف التفاصيل: لم يستطرد في وصف صراخهم ولا غرق خيولهم، بل اكتفى بـ {أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ}؛ لإبراز سهولة إهلاك الجبابرة على الله، وأنهم هينون عنده لا وزن لهم.
استعمال {ثُمَّ}: للتنبيه على عظم الفارق بين المشهدين؛ مشهد النجاة والأمن للمؤمنين، ومشهد الغرق والرعب والدمار للكافرين.
تدبر عدالة الله: الظلم مهما طال ليله وامتدت عروشه، فإن نهايته حتمية مروعة تأتي بغتة وهم لا يشعرون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من مكر الله وعقابه: أن يستحضر العبد قوة الله وبطشه بالظالمين؛ فيرتدع عن ظلم العباد وهضم حقوقهم؛ فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
تثبيت قلوب المقهورين والمظلومين: الاستبشار بنصر الله، واليقين بأن فراعنة كل عصر مصيرهم إلى الغرق والهلاك والزوال، وأن دموع المظلومين لن تضيع هدراً.
الاعتبار بسنة الله في إهلاك الطغاة: التأمل في تاريخ الأمم السابقة لترسيخ اليقين بأن من حارب الله ورسله قُصم وخاب مسعاه.