روى الطبري (19/327)مصدر غير محدد١٩/٣٢٧ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {قَالَ كَلَّا} أي قال الله لموسى: كلا لن يقتلوك ولن يصلوا إليك بسوء، ردعاً له عن الخوف وزجراً له عن توهم الهلاك؛ {فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا} أنت وأخوك هارون بمعجزاتنا القاهرة ودلائلنا الباهرة؛ {إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} أي إنا معكما بحفظنا وكلاءتنا ونصرنا، نستمع ما تقولون وما يقال لكم ونشهد الموقف، لا يفوتنا شيء منه، وسنكفيكما شرهم.
قال ابن كثير (6/138)مصدر غير محدد٦/١٣٨: "قال تعالى مجيباً لموسى ومزيلاً لما في قلبه من المخاوف: {كَلَّا}؛ أي لن يصلوا إلى قتلك ولا إلى تكذيبك بما يقطعك عن البلاغ، كما قال في القصص: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}".
قرر القرطبي (13/96)مصدر غير محدد١٣/٩٦: في قوله {إِنَّا مَعَكُم} جمع للضمير، وهو يعود على موسى وهارون وفرعون وملئه (أي مع الجميع بالعلم والإحاطة والسمع)، أو يعود على موسى وهارون على جهة التعظيم والتثنية معاً بالمعية الخاصة التي تقتضي النصرة والتأييد والحفظ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (الله تعالى).
{كَلَّا}: حرف ردع وزجر وإبطال مبني على السكون؛ يردع موسى عن توهم إمكانية قتلهم له، ويفيد نفي القتل واستحالته بضمان الله.
{فَاذْهَبَا}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، اذهبا فعل أمر مبني على حذف النون، وألف الاثنين ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل؛ والخطاب لموسى وهارون.
{بِآيَاتِنَا}: الباء للمصاحبة والملابسة والاستعانة، آيات اسم مجرور بالكسرة وهو مضاف، و"نا" مضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال (متسلحين ومصاحبين لآياتنا).
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و"نا" ضمير متصل اسمها في محل نصب.
{مَعَكُم}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر "إن" أو بـ "مستمعون"، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
{مُّسْتَمِعُونَ}: خبر ثان لـ "إن" مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، أو خبر أول؛ واسم الفاعل من استمع يفيد المبالغة في الإدراك السمعي لكل همسة وحركة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حسام الأمان الإلهي الحاسم: بعد أن فصل موسى مخاوفه الثلاثة، جاءت كلمة واحدة لتقطع دابر كل خوف: {كَلَّا}؛ كلمة ردع حاسمة تنزع الخوف من جذوره وتسكب الطمأنينة المطلقة في قلب كليم الله.
الترقية من الخوف إلى القيادة: لم يكتف الله بطمأنته بل أمره بالانطلاق الفوري للعمل: {فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا}، وضمن لهما السلاح الحاسم (المعجزات الإلهية)، والحصن الأكبر: المعية والرقابة الإلهية السامعة المقتدرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير معنى المعية الإلهية وأقسامها في عقيدة أهل السنة:
أجمع أئمة السنة على أن المعية الإلهية قسمان:
معية عامة لجميع الخلق: بعلمه، وقدرته، وسمعه، وبصره، وإحاطته، كما في قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}.
معية خاصة بالمؤمنين والرسل: تقتضي النصر، والتأييد، والتثبيت، والحفظ، كما في قوله لموسى وهارون هنا وفي طه: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}.
والله سبحانه بذاته فوق عرشه العلي المجيد، بائن من خلقه، ومعيته تليق بجلاله دون اختلاط ولا حلول في المخلوقات كما زعمت الحلولية الضالة.
ردع المخاوف بالوعد الصادق:
المحاكمة العقلية تجعل العبد يوقن بأن من كان الله معه يسمع ويرى فلن يضره كيد الثقلين مجتمعين؛ ففرعون وجنوده وسلاحه ليسوا إلا ذرات في ملكوت الله السامع العليم.
بلاغة الزجر بـ {كَلَّا}: أوجز لفظ في إبطال كل أوهام العدو وقدرته على الفتك؛ فكانت كلمة تزن جيوشاً من الطمأنينة.
الإسناد العظيم في {بِآيَاتِنَا}: إضافة الآيات إلى ضمير العظمة الإلهية لإشعار موسى وهارون بأنهما لا يحملان مهارات بشرية بل يحملان براهين القدرة الإلهية المطلقة التي تخر لها الجباه.
التعبير بـ {مُّسْتَمِعُونَ} بصيغة الجمع: جمع التعظيم، أو ليشمل استماع ما يقع بين موسى وهارون وفرعون وجنوده، دلالة على الإحاطة السمعية التامة التي لا يغيب عنها حرف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار المعية الإلهية في مواجهة الشدائد: أن يتسلح الداعية باليقين في معية الله وتأييده كلما واجه جبروت الطغاة والشبهات؛ فمن كان الله معه فممن يخاف؟!
الاعتماد على قوة الحجة والآيات: عدم التسلح بالأكاذيب أو الحيل، بل الاعتماد على آيات الله وبراهين الوحي الناصعة في دحض الباطل.
الانطلاق للعمل بعد زوال العوائق: إذا أزال الله عن العبد موانع الخوف والكسل، فالواجب عليه المبادرة والمسارعة إلى ميادين الإصلاح والتبليغ.