روى الطبري (19/333)مصدر غير محدد١٩/٣٣٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} أي خرجت من مصر إلى أرض مدين هرباً حين بلغني أن الملأ يأتمرون بي ليقتلوني ظلماً وعدواناً، {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا} أي فهما وعلماً وشريعة ونبوة، {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} أي واصطفاني برسالته وأرسلني إليكم بالبينات.
قال ابن كثير (6/140)مصدر غير محدد٦/١٤٠: "يقول موسى: كان ذلك الفرار خوفاً من بطشكم بالباطل، فلما منّ الله علي ونجاني وهب لي حكماً وهو النبوة والعلم والفهم، وجعلني رسولاً إليكم؛ فالحال الآن غير الحال السابقة؛ لقد جئتكم بسلطان من الله لا قبل لكم به".
بين القرطبي (13/101)مصدر غير محدد١٣/١٠١: في هذه الآية دليل على أن الفرار من الظالمين والأخذ بأسباب النجاة من الموت سنة الأنبياء؛ فموسى فر إلى مدين، والنبي صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة إلى المدينة فراراً بدينه ودعوته من بطش قريش.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَفَرَرْتُ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والترتيب، فررت فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل. والفرار: الهروب السريع خوفاً من المكروه والشر.
{مِنكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ "فررت".
{لَمَّا}: ظرفية حينية متضمنة معنى الشرط، أو رابطة لوجود شيء لوجود غيره.
{خِفْتُكُمْ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والكاف مفعول به والميم للجمع، وجملة خفتكم في محل جر بالإضافة لـ "لما".
{فَوَهَبَ}: الفاء رابطة أو عاطفة، وهب فعل ماض مبني على الفتح.
{لِي}: جار ومجرور متعلقان بـ "وهب".
{رَبِّي}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{حُكْمًا}: مفعول به منصوب بالفتحة؛ والحكم: النبوة والفهم للشريعة والقدرة على فصل القضاء بين الناس.
{وَجَعَلَنِي}: الواو عاطفة، جعل فعل ماض ينصب مفعولين، والفاعل مستتر تقديره هو، والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
{مِنَ الْمُرْسَلِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لـ "جعل"؛ أي واحداً من موكب المرسلين المصطفين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرد المتدرج من الخطأ إلى الفرار إلى التكريم الإلهي: نسق تاريخي منطقي بديع يسرد مراحل التحول الإلهي في حياة موسى:
إبطال المن بالمنّة الكبرى: كأن موسى يقول لفرعون: إن كنت تمن علي بتربيتي وإطعامي، فإن الله قد وهب لي ما هو أعظم من ملكك بأسره؛ وهب لي النبوة والرسالة والحكم!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مشروعية الهجرة والفرار من بطش الظالمين:
تدحض الآية دعاوى التهور التي تزعم أن شجاعة المؤمن تقتضي الاستسلام للقتل أو إلقاء النفس في التهلكة مجاناً؛ فموسى عليه السلام لم يقف مستسلماً لسياف فرعون، بل فر إلى مدين ليحفظ حياته ودينه، وهذا عين الحكمة والشجاعة الواعية.
هبة النبوة محض فضل إلهي لا كسب بشري:
التعبير بـ {فَوَهَبَ لِي} يؤكد عقيدة أهل السنة في أن النبوة ليست درجة مكتسبة بالرياضات الروحية ولا بالذكاء البشري كما يدعي الفلاسفة، بل هي منحة ومحض هبة واصطفاء رباني من الله لمن يشاء من عباده.