روى الطبري (19/408)مصدر غير محدد١٩/٤٠٨ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ} أي قالوا مستكبرين مستهزئين: مستوٍ عندنا أمرك؛ وعظتنا وخوفتنا بالعذاب، أو سكتَّ فلم تكن من أهل الوعظ والنصيحة؛ فلا نرجع عن ديننا، ولا نترك آلهتنا، ولا نبالي بوعيدك ولا نصدقك فيما تقول.
قال ابن كثير (6/159)مصدر غير محدد٦/١٥٩: "أي لا نرجع عما نحن عليه، سواء نصحتنا أم سكت عنا؛ وهذا غاية العناد والعتو وقسوة القلوب، حيث استوت عندهم الموعظة وعدمها".
قال القرطبي (13/116)مصدر غير محدد١٣/١١٦: "أفصحوا عن موت قلوبهم؛ فإن الحي تؤثر فيه الموعظة، أما الميت فيستوي عنده الوعظ والسكوت".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَوَعَظْتَ}: الهمزة همزة التسوية؛ {وَعَظْتَ}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بالتاء، والتاء فاعل؛ والمصدر المؤول من همزة التسوية والفعل في محل رفع مبتدأ مؤخر تقديره (استوى وعظك وعدمه علينا).
{أَمْ}: حرف عطف لمعادلة همزة التسوية.
{لَمْ}: حرف نفي وجزم وقلب.
{تَكُن}: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ {لَمْ} وعلامة جزمه السكون، واسمه ضمير مستتر تقديره (أنت).
{مِنَ الْوَاعِظِينَ}: جار ومجرور في محل نصب خبر {تَكُن}؛ والمعطوف بـ {أَمْ} داخل في تأويل المصدر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان موت القلب وانقطاع الأمل في التوبة:
بعد أن بذل هود كل فنون النصح والتذكير والإنذار، جاء ردهم بهذا الصلف الوقح: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا}؛ ليدل على أنهم وصلوا إلى مرحلة الطبع على القلوب، حيث تتساوى أعلى براهين الوحي مع الصمت المطبق في ميزان قلوبهم الميتة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خطورة تبلد الحس وموت الاستجابة للموعظة:
محاكمة نفسية وإيمانية: الموعظة غذاء الروح ومرآة العقل؛ فإذا وصل الإنسان إلى مرحلة لا يهزه فيها كلام الله ولا يخيفه الوعيد ولا يرجيه الوعد، فقد مات قلبه وصار حجراً صلداً؛ واستواء الوعظ وعدمه هو العلامة الفارقة للانتكاس الفطري واستحقاق الهلاك العاجل.
التعبير بـ {أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ} بدلاً من "أم لم تعظ": فيه مبالغة في احتقار شأنه وإلغاء رتبته؛ أي لا نراك أصلاً واعظاً ولا نعدك من زمرة من يُسمع لهم، فوجود وعظك كعدمه بالكلية.
تقديم {سَوَاءٌ عَلَيْنَا}: إظهار للاستخفاف واللامبالاة بحديثه منذ أول وهلة.
تدبر عقوبة الإعراض: كم من مستهزئ قال للدعاة: "كلامكم لا يغير فينا شيئاً"، فما هي إلا أيام حتى أتاه اليقين وبكى بدل الدموع دماً!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من قسوة القلب وتبلد الشعور: إذا سمعت موعظة من القرآن فلم يتحرك قلبك ولم تدمع عينك، فابكِ على نفسك واسأل الله أن يحيي قلبك الميت.
واجب الداعية البلاغ ولو صموا آذانهم: نوح وهود وغيرهم استمروا في البلاغ حتى بعد أن أعلن أقوامهم أن الوعظ وعدمه سواء؛ إعذاراً إلى الله وإقامةً للحجة.