روى الطبري (19/390)مصدر غير محدد١٩/٣٩٠ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ} أي فليس لنا اليوم أحد يشفع لنا عند ربنا فينقذنا من هذا العذاب، لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من الصالحين؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد بعد إذن الرحمن ورضاه.
قال ابن كثير (6/155)مصدر غير محدد٦/١٥٥: "أي لا يشفع فينا أحد كما يشفع للمؤمنين الصالحين، كما قال تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}، وقال: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}".
قال القرطبي (13/109)مصدر غير محدد١٣/١٠٩: "علموا أن المؤمنين يشفع فيهم الأنبياء والملائكة والصالحون، وتمنوا أن يكون لهم شافع من أولئك، فانقطعت آمالهم وأيقنوا بالخلود في الجحيم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَمَا}: الفاء عاطفة لترتيب النتيجة على ما سبق؛ {مَا}: حرف نفي مبني على السكون يعمل عمل ليس أو مهمل عند التقديم.
{لَنَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{مِن}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
{شَافِعِينَ}: مجرور لفظاً بـ {مِن} وعلامة جره الياء، مرفوع محلاً على أنه مبتدأ مؤخر (أو اسم ما المؤخر)؛ والشافع: هو من يضم صوته ورجاءه لغيره للتجاوز عن ذنبه وجلب الخير له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حسرة الحرمان من الشفاعة بعد الخذلان التام:
لما تبرأ منهم المضلون وسقطت آلهتهم في النار، التفتوا يبحثون عن بارقة أمل خارجية تنقذهم، فلم يجدوا شافعاً يجرؤ على الكلام في حقهم، فصرخوا صرخة اليأس المطبق: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ}؛ تأكيداً لإفلاسهم الأخروي الكامل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شروط الشفاعة الحقيقية وسقوط شفاعة الأنداد:
شبهة المشركين: "نحن نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ويشفعوا لنا عنده"!
المحاكمة القرآنية الصارمة: الشفاعة ليست وسطة دنيوية تجبر الحاكم على العفو، بل هي فضل إلهي ملك لله وحده ({قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا})؛ ولها شرطان محكمان:
إذن الله للشافع أن يشفع ({مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}).
رضاه عن المشفوع له بأن يكون من أهل التوحيد ({وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ}).
فلما انعدم التوحيد، حرم المشركون من الشفاعة حتماً، فخاب أملهم في شفعائهم المزعومين.