وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
العزو الأثري النبوي المتواتر:
أخرج البخاري في صحيحه (رقم 4770)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٧٠، ومسلم (رقم 208)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٨ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي -لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}».
وأخرج مسلم (رقم 204)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما أنزلت هذه الآية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، دعا رسول الله ﷺ قريشاً فعم وخص، فقال: «يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أَنذِرْ}: الإنذار إعلام بمخوف مع التهديد ليتدارك المنذَر أمره قبل فوات الأوان.
{عَشِيرَتَكَ}: العشيرة هم الجماعة الذين يرجعون إلى عقد واحد وتجمعهم قرابة النسب، وسُموا عشيرة لعشرتهم واجتماعهم أو لأنهم يكتملون بالعدد كالعشرة.
{الْأَقْرَبِينَ}: جمع أقرب، صيغة تفضيل للدلالة على الأقرب نسباً ورحماً، وهم بنو هاشم وبنو المطلب وقريش الأدنون.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَأَنذِرْ}: الواو عاطفة، {أَنذِرْ} فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{عَشِيرَتَكَ}: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
{الْأَقْرَبِينَ}: نعت لـ {عَشِيرَتَكَ} منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم (وروعي فيه معنى الجمع لأن العشيرة اسم جمع).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
من الدعوة العامة إلى البلاغ المتدرج بالدوائر الأقرب:
بعد أن حذر النبي ﷺ في نفسه: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ}، أمره بنقل الإنذار إلى الدائرة اللصيقة به: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}.
وهذا هو الترتيب الفطري والمنطقي في بث الدعوة: إصلاح النفس أولاً، ثم إصلاح الأقرب فالأقرب؛ لأن نصرتهم للدعوة أدعى لانتشارها، ولأن استقامتهم تقطع ألسنة الطاعنين الذين يقولون: لو كان خيراً لأتبعه أهله وعشيرته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكم نجاة القرابة ودفع المحاباة في الدين:
دحض شبهة التمييز العائلي أو الطبقي: بينت الآية والحديث النبوي الصريح قاعدة العدالة الإلهية المطلقة: "لا أغني عنكم من الله شيئاً". فلا يغني قرابة نبي من عذاب الله إذا لم يقترن ذلك بالإيمان والعمل الصالح. وهذا قاطع لدعاوى الأنساب المجردة، ورد على من توهم أن انتسابه للأولياء والأنبياء ينجيه مع بقائه على التفريط أو الكفر.