دهاء فرعون في اللعب على وتر الخطر القومي في الآثار:
روى الطبري (19/342)مصدر غير محدد١٩/٣٤٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ} قال فرعون محذراً قومه ومثيراً لحميتهم الوطنية: إن موسى لم يأتِ بالدين ولا بالإصلاح، بل جاء بمشروع سياسي استيطاني يريد به الاستيلاء على ملك مصر، وإجلاءكم من دياركم وأرضكم وأوطانكم، وتسليم البلاد لبني إسرائيل بسحره ودهائه! {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} أي فماذا تشيرون عليّ في أمره وماذا ترون أن نصنع لندفع خطره؟!
قال ابن كثير (6/144)مصدر غير محدد٦/١٤٤: "خاف فرعون أن يميل الناس إلى موسى؛ فاستعمل معهم سياسة التخويف على الوطن والأرض والملك؛ لأن النفوس مجبولة على الاستماتة في الدفاع عن أرضها ومكتسباتها؛ فأوهمهم أن موسى يهدف إلى انقلاب سياسي واحتلال للأرض، ليوحد صفوفهم خلف قيادته المستبدة".
بين القرطبي (13/109)مصدر غير محدد١٣/١٠٩: قوله {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} استشارة من جبار عاتٍ؛ تحول من مقام الإله الآمر المطلق إلى مقام المستشير التابع لآراء رعيته؛ وهذا برهان على شدة الفزع والهلع الذي ملأ قلبه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُرِيدُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هو (موسى).
{أَن يُخْرِجَكُم}: أن مصدرية، يخرجكم فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل مستتر، والكاف مفعول به والميم للجمع؛ والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ "يريد".
{مِّنْ أَرْضِكُم}: جار ومجرور متعلقان بـ "يخرجكم"، وأرض مضاف والكاف مضاف إليه؛ والمراد مصر.
{فَمَاذَا}: الفاء عاطفة مفرعة لطلب المشورة، "ما" اسم استفهام مبتدأ، و"ذا" اسم موصول خبر (أو ماذا كلها اسم استفهام مفعول به مقدم لتأمرون).
{تَأْمُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول أو مقول القول؛ والأمر هنا بمعنى الإشارة والمشورة؛ يقال: أمرني بكذا أي أشار علي به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التصعيد الخطير من الشبهة الفردية إلى التهديد الوجودي للأمة: نقل فرعون المعركة من نقاش حول التوحيد وتحرير العبيد إلى خطر احتلال أجنبي وتهجير جماعي للمصريين من أرضهم؛ لتثوير العواطف وإسكات صوت العقل.
تنازل الطاغية عن كبريائه بالاستشارة: تفريع الاستشارة بالفاء {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} بعد التخويف يكشف حرصه على إشراك الملأ في القرار وتحميلهم المسؤولية التاريخية للمواجهة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك خديعة "التهديد الأمني المزعوم":
أسلوب كلاسيكي تمارسه الدكتاتوريات في كل العصور؛ عندما يطالب المصلحون بالعدالة، والحريات، ورفع المظالم، يتهمهم النظام بأنهم عملاء ينفذون "أجندات خارجية" ويريدون هدم الدولة، وزعزعة الاستقرار، وسلب أرض الوطن.
الحقيقة الساطعة أن موسى لم يطلب ملك مصر ولا سلب أرض الأقباط، بل قال بصريح العبارة: {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}؛ طلب الخروج بهم إلى سيناء والشام، فقلب فرعون الحقيقة وزعم أنه يريد إخراج الأقباط من مصر!
الإضافة في {أَرْضِكُم}: دغدغة للعواطف الوطنية وتذكير بالحيازة والسيادة لإثارة الغيرة والحمية القبلية والقومية.
البناء على التهييج النفسي {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم}: تصوير موسى في صورة الغازي المعتدي الذي يخطط لتهجيرهم، والباطل دائماً يلبس المظلوم ثوب الظالم.
تدبر تهافت فرعون: الإله المزعوم يسأل عبيده: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}؛ فلو كان إلهاً حقاً لما احتاج إلى أمرهم ومشورتهم!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من فزاعات الأنظمة المستبدة: الوعي بالمخططات الإعلامية التي تستخدم فزاعة "الخطر الأمني وضياع الوطن" لتبرير البطش بالمصلحين والدعاة ومصادرة الحريات.
نقاء أهداف الدعوة الإسلامية: أن يوضح المصلح أهدافه بوضوح للناس؛ بأن الدعوة لا تنازع الناس على أوطانهم ولا أموالهم، بل تسعى إلى إقامة العدل وتطهير الحياة بالفضيلة.
كشف تراجع الباطل عند المواجهة: استشعار كيف ينهار جبروت المتسلطين حين يواجهون براهين الحق فيتحولون إلى مستجدين لآراء أعوانهم.