روى الطبري (19/345)مصدر غير محدد١٩/٣٤٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ} أي استجاب فرعون لمشورة ملئه، وأرسل الحاشرين فجمعوا السحرة من أرجاء مصر، وكانوا ألوفاً مؤلفة من كبار السحرة وتلامذتهم؛ {لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} والميقات هو الزمان والمكان المحددان بدقة؛ وكان ذلك اليوم هو يوم عيدهم وزينتهم في وقت الضحى، كما صرح به في سورة طه: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}.
قال ابن كثير (6/145)مصدر غير محدد٦/١٤٥: "اختار موسى عليه السلام يوم الزينة وهو يوم عيد وتفرغ واجتماع عام للمصريين، واختار وقت الضحى ليكون الحق ظاهراً مشهوداً في رابعة النهار تحت ضوء الشمس، لا في ظلمة ولا غلس؛ لئلا يروج باطل ولا يلتبس الأمر على الحاضرين".
بين القرطبي (13/110)مصدر غير محدد١٣/١١٠: {مِيقَاتِ} مفعال من الوقت، وهو الوقت المعين للقاء ومنازلة الحق والباطل؛ وبناء الفعل للمجهول {فَجُمِعَ} للدلالة على سرعة التنفيذ واستنفار كل أجهزة الدولة الملكية لإنجاز هذا الحدث التاريخي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَجُمِعَ}: الفاء عاطفة للتعقيب السريع، جمع فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله مبني على الفتح.
{السَّحَرَةُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة؛ جمع ساحر.
{لِمِيقَاتِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "جُمع"، واللام للتوقيت أو التعليل؛ وميقات مضاف.
{يَوْمٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{مَّعْلُومٍ}: نعت لـ "يوم" مجرور بالكسرة؛ اسم مفعول من علم يعلم، أي يوم محدد معلوم للجميع وهو يوم الزينة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اختصار المراحل وسرعة المشهد: من إعجاز الإيجاز القرآني حذف تفاصيل إرسال الرسل والبحث في القرى وجمع السحرة والسفر، والانتقال بالفاء فوراً إلى المشهد المحتشد: {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}؛ لتركيز الانتباه على اللحظة الفارقة.
التمهيد لاحتشاد الجماهير: بعد جمع السحرة حان وقت جمع المتفرجين والشعب لتكتمل أركان المحكمة التاريخية في الآية التالية: {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
علانية المعركة وبراءة الحق من السرية والغموض:
تؤسس الآية لمنهج الأنبياء في الشفافية والعلانية؛ موسى لم يقبل مناظرة سرية في دهاليز القصر الفرعوني المغلق، بل أصر على "يوم الزينة ضحى"، حيث تجتمع الأمة قاطبة لترى الحقيقة بأعينها دون تدليس إعلامي.
الحق لا يخشى النور، والباطل وحده هو الذي يعيش في الظلام والتعتيم والكواليس الخفية.
انضباط التوقيت وحتمية المواجهة:
التعبير بـ {لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} يبرهن على أن أقدار الله تجري بمواقيت دقيقة محكمة؛ فلا استعجال يفسد التدبير، ولا تأخير يعطل النصر الموعود.
بناء الفعل للمجهول {فَجُمِعَ}: إشارة إلى أن التعبئة كانت تامة اشتركت فيها كل قوى الدولة وسلطاتها، وإبراز لحدث الجمع نفسه وهيبته.
الوصف بـ {مَّعْلُومٍ}: لإشعار السامع بأهمية ذلك اليوم وشهرته وتطلع سائر الناس إليه بشغف وترقب.
تدبر موعد الفرقان: كل جولة بين الحق والباطل لها "ميقات يوم معلوم" قضاه الله في الأزل، فإذا جاء الأجل انهار صرح الباطل في لمحة عين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شجاعة المواجهة العلنية والمناظرة الحرة: أن يثق الداعية ببراهين دينه ولا يتردد في خوض المناظرات العلنية أمام الجماهير في وضح النهار؛ فالنور يطرد الظلام.
استثمار المناسبات العامة والتجمعات الكبرى: استغلال الأعياد، والمواسم، والتجمعات الشبابية والمجتمعية لعرض مبادئ الإسلام وبث قيم الفضيلة والعدالة.
الدقة في التخطيط وإدارة المواعيد: التعلم من دقة الميقات المحدد لترتيب العمل الدعوي والمؤسسي بنظام ووعي زمني صارم.