طبيعة خوف موسى عليه السلام ومقاصده في التفسير المأثور:
روى الطبري (19/324)مصدر غير محدد١٩/٣٢٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} لم يكن خوف موسى خوفاً من الموت ولا خوراً في العزيمة، وإنما خاف أن يبادروه بالتكذيب والقتل قبل أن يتمكن من إبلاغ رسالة الله وإقامة الحجة الباهرة عليهم؛ وخاف من عتو فرعون وجبروته وما عُرف عنه من سفك الدماء.
قال ابن كثير (6/137)مصدر غير محدد٦/١٣٧: "هذا اعتذار من موسى وسؤال للمعونة والتثبيت، وليس ردّاً لأمر الله ولا نكولاً عن البلاغ؛ وإنما سأل ربه أن يزيل عنه الموانع النفسية واللسانية التي قد تعوق الإبلاغ التام للرسالة، مستعيناً به متضرعاً إليه".
بين القرطبي (13/94)مصدر غير محدد١٣/٩٤: خوف موسى عليه السلام خوف جِبِلّي بشري يعتري بني آدم عند لقاء الأعداء الأشداء، والأنبياء بشر تجري عليهم الطبائع البشرية، ولم يعاتب الله موسى على هذا الخوف بل أجابه إلى مطلبه وأيده بأخيه هارون وبالمعجزات القاهرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (موسى).
{رَبِّ}: منادى مضاف حذفت منه ياء المتكلم للتخفيف، منصوب بفتحة مقدرة على الباء، وحذفت أداة النداء للدلالة على القرب.
{إِنِّي}: إن حرف توكيد ونصب، والياء اسمها.
{أَخَافُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والجملة خبر "إن"، وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول.
{أَن يُكَذِّبُونِ}: المصدر المؤول من "أن" والفعل في محل نصب مفعول به لـ "أخاف". يكذبون فعل مضارع منصوب بأن بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، والنون المتبقية هي نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة رسماً واكتفاءً بالكسرة في محل نصب مفعول به (أصله يكذبوني).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الصدق المطلق بين العبد وربه: موسى عليه السلام لم يخفِ مشاعره وضعفه البشري عن خالقه، بل بسط بين يدي ربه مخاوفه ونقاط ضعفه بكل شفافية وتضرع؛ ليعلمه الله كيف يتدرج في إعداد نفسه لتحمل المسؤولية الكبرى.
التمهيد لطلب الإعانة بهارون: هذا الخوف من التكذيب مهّد للأعذار الثلاثة المتتابعة في الآيات التالية: ضيق الصدر، وثقل اللسان، وتبعة القتيل القبطي، وصولاً إلى طلب إرسال هارون وزيراً ومعيناً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عصمة الأنبياء والخوف الطبيعي:
تدحض الآية شبهة من يزعم أن اعتراف موسى بالخوف ينقض عصمته أو يقدح في شجاعته؛ فالخوف الطبيعي الغريزي من القتل أو الفتك (كالخوف من السبع الضاري أو النار المحرقة أو الطاغية الباطش) صفة كمال بشري تثبت إنسانية الرسل، ولا ينافي التوكل؛ لأن التوكل عمل قلبي والاحتراز والأخذ بالأسباب واستشعار الخطر أمر فطري.
المذموم شرعاً وعقلاً هو الجبن الذي يقعد عن أداء الواجب، وموسى لم يقعد بل مضى منفذاً لأمر ربه.
استباق الموانع لضمان نجاح الرسالة:
تفكير إداري وقيادي ناضج من موسى عليه السلام؛ إذ استعرض التحديات الواقعية التي ستواجهه في قصر فرعون (التكذيب، انغلاق الصدر، لثغة اللسان، ثارات الدم السابقة)، ليطلب الحلول الإلهية المناسبة لها قبل خوض المعركة.
حذف ياء المتكلم في {رَبِّ} و{يُكَذِّبُونِ}: إيجاز صوتي يناسب مقام الخوف والاضطراب وسرعة اللجوء إلى حماية الرب ومناجاته.
التوكيد بـ {إِنِّي}: لإظهار شدة الاضطرار والافتقار إلى المدد الإلهي.
تدبر فقه الشكوى إلى الله: الشكوى إلى الله والتصريح بالضعف بين يديه عين العبودية والقوة، بينما الشكوى إلى الخلق مذلة وهوان؛ وموسى فر من خوفه إلى ربه ليعينه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المصارحة والمكاشفة بين الداعية وربه: أن يبث المسلم كل مخاوفه وضعفه إلى الله في جوف الليل وسجوده، طالباً منه التثبيت والتأييد والشجاعة.
دراسة المخاطر والتحديات في العمل الدعوي: ألا يقتحم المصلح الميادين بتهور دون دراسة لطبيعة الخصوم والموانع المحيطة، وأن يستعد لها بالدعاء والوسائل المشروعة.
التواضع ومعرفة قدر النفس: عدم ادعاء البطولة والكمال الزائف، والاعتراف بالحاجة الدائمة إلى معونة الله وشركاء الخير في الميدان.