روى الطبري (19/316)مصدر غير محدد١٩/٣١٦ عن مجاهد وقتادة والحسن: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} أي هذه آيات القرآن المشتمل على الهدى والفرقان، الذي أبان الله فيه طريق الرشد من طريق الضلال، وأبان فيه قصص الأولين وأخبار الغيب، وأحل الحلال وحرم الحرام.
قال ابن كثير (6/134)مصدر غير محدد٦/١٣٤: "أي هذه آيات القرآن المبين؛ أي الواضح الجلي البين، الذي يفصل بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والصراط المستقيم والسبيل المعوج".
بين القرطبي (13/86)مصدر غير محدد١٣/٨٦: الكتاب المبين هو القرآن؛ ووصف بالمبين لأنه أبان ما كان خفياً على العرب من شرائع الدين وأخبار الأنبياء والتوحيد، وأبان حججه وبراهينه للعقول السليمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تِلْكَ}: تي اسم إشارة للمؤنث مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب، والإشارة هنا لآيات السورة الحاضرة أو القرآن المنزل.
{آيَاتُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وآيات مضاف. والآية في اللغة: العلامة الظاهرة والدلالة القاطعة.
{الْكِتَابِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة؛ وهو مصدر كتب يكتب كتاباً وكتابة، وسمي كتاباً لجمعه الحروف والكلمات والأحكام في سياق واحد.
{الْمُبِينِ}: نعت لـ "الكتاب" مجرور بالكسرة، اسم فاعل من أبان الرباعي؛ ويستعمل متعدياً بمعنى أظهر وأوضح غيره، ولازماً بمعنى بَانَ وظهر في نفسه؛ وكلا المعنيين متحقق في القرآن: فهو ظاهر واضح في ذاته، ومبين كاشف للحقائق لغيره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط بين المظهر الصوتي والمحتوى المعرفي: بعد انقطاع الحروف الهجائية {طسم}، جاء هذا النظم المحكم ليشير إليها باسم الإشارة {تِلْكَ}، مبيناً أن هذه الحروف المنظومة ليست عبثاً بل هي آيات كتاب بين واضح يقود الإنسانية إلى النور.
التمهيد لقصص الأنبياء: السورة تفيض ببيان قصص سبعة أنبياء بتفاصيل لم تكن معلومة عند مشركي قريش، فوصف الكتاب بـ {الْمُبِينِ} يوطئ بأن ما سيسرد في السورة هو البيان الحق المفصل الذي لا مراء فيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
وضوح القرآن وانتفاء الغموض والتعقيد:
تدحض الآية دعاوى المستشرقين والمشككين القائلين بأن القرآن نص ملتبس أو غامض؛ فوصفه بـ {الْمُبِينِ} يقرر أصلاً عقائدياً ثابتاً: القرآن كتاب هداية وبيان، أصوله محكمة، وبراهينه عقلية بينة، ومقاصده جلية لكل ذي فطرة سليمة.
ما يقع من التباس أو غموض فإنما هو عارض لقصور أفهام بعض المتلقين أو غلبة الهوى على قلوبهم، وليس عيباً في وضوح النص وإبانته.
الإشارة بالبعيد {تِلْكَ}: الإشارة إلى الحاضر باسم الإشارة للبعيد دلالة على علو الرتبة ورفعة المنزلة وسمو مكانة هذا الكتاب العزيز.
فصاحة الوصف بـ {الْمُبِينِ}: جمع اللفظ بين كونه بيّناً في إعجازه ونظمه وبلاغته، ومبيناً للحقوق والواجبات والسبل، فهو نور بذاته ومستنير به غيره.
تدبر البرهان القرآني: كلما ازداد العبد قراءة للقرآن ازداد يقينه بأنه المبين؛ إذ يجد فيه جواباً شافياً لكل أسئلة الوجود الكبرى (من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟).
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحكيم القرآن في الخصومات: الرجوع إلى كتاب الله المبين لفض النزاعات الفكرية والاجتماعية والشرعية، واليقين بكفايته في إبانة الحق.
الوضوح والبيان في الخطاب الدعوي: أن يتأسى الداعية بكتاب ربه في وضوح الفكرة وسهولة الأسلوب والبعد عن التعقيد والتكلف المنفر.
الثقة بمصدر التلقي: استشعار الفخر والاعتزاز بهذا الوحي الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.