أمر الإسراء ببني إسرائيل والتنبيه على المطاردة في الآثار:
روى الطبري في جامع البيان (19/355)مصدر غير محدد١٩/٣٥٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما أقام موسى بمصر بعد منازلة السحرة يدعو فرعون وقومه، فتمادوا في كفرهم وعتوهم وأصر فرعون على استرقاق بني إسرائيل، أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً سراً: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي}؛ وأخبره بالقدر المحتوم تثبيتاً له وإعداداً للنجاة: {إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} أي إن فرعون وجنوده سيتبعونكم بجيوشهم ليردوكم، فلا تجزعوا فإن النصر والعاقبة لكم.
قال ابن كثير (6/148)مصدر غير محدد٦/١٤٨: "أمر الله تعالى كليمه موسى عليه السلام حين يئس من إيمان فرعون وقومه، وأراد الله إهلاكهم، أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً من مصر؛ والإسراء هو السير بالليل؛ وأعلمه بأن فرعون سيتبعهم بجيشه العرمرم، ليكونوا على حذر واستعداد وليجري قدر الله في إغراق الظالمين وإنجاء المؤمنين".
القراءات في {أَنْ أَسْرِ}: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {أَنِ اسْرِ} بوصل الهمزة وكسر النون (من سرى الثلاثي)، وقرأ الباقون (عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي): {أَنْ أَسْرِ} بقطع الهمزة مفتوحة (من أسرى الرباعي)؛ وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد وهو السير ليلاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَوْحَيْنَا}: الواو استئنافية، أوحينا فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل. والوحي: إعلام الله لأنبيائه بحكمه وشرعه بخفاء وسرعة.
{أَنْ}: مفسرة لمعنى الوحي، أو مصدرية بتقدير الباء (بأن أسرِ).
{أَسْرِ}: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت. والسرى: سير عامة الليل.
{بِعِبَادِي}: الباء للمصاحبة والتعدية، عبادي اسم مجرور بالكسرة المقدرة، وهو مضاف وياء المتكلم مضاف إليه؛ وإضافة العباد إلى ضمير الجلالة إضافة تشريف وتكريم ورعاية.
{إِنَّكُم}: إن حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها والميم للجمع.
{مُّتَّبَعُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ اسم مفعول من اتّبع يَتّبع، أي سيتبعكم فرعون وجنده حتماً. والجملة تعليلية للأمر بالإسراء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من طور الدعوة إلى طور الهجرة والفرقان: بعد أن انتهت مرحلة الحجاج والمناظرات ويوم الزينة، وثبت عتو فرعون، أذن الله بالانتقال إلى الطور النهائي: هجرة المستضعفين ومفاصلة دار الكفر.
الإخبار بالغيب لتثبيت القلوب: إخبارهم مقدماً بأنهم {مُّتَّبَعُونَ} يزيل عنهم عنصر المفاجأة والرعب عند رؤية جيش فرعون، ويجعلهم موقنين بأن ما يحدث يجري وفق خطة إلهية مرسومة لا تخفى على رب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شرف التسمية بـ {عِبَادِي}:
تشريف عظيم لبني إسرائيل في تلك المرحلة؛ فسماهم الله {عِبَادِي} لكونهم آمنوا بموسى واستجابوا لرسالته وصبروا على القهر والاستعباد، مما يدحض زعم من يظن أن بني إسرائيل كانوا أشراراً على الدوام؛ بل كان فيهم صلحاء وأتقياء قادهم موسى بأمر الله.
الأخذ بالأسباب الدقيقة في الهجرة:
السير ليلاً ({أَسْرِ}) استراتيجية أمنية نبوية تعتمد الأسباب المادية المتاحة؛ فالتحرك ليلاً يكسب المستضعفين مسافة زمنية ويباعد بينهم وبين مراكز الرصد والجيوش، وهذا تعليم للأمة بالجمع بين التوكل وحسن التخطيط والتخفي عند الخطر.
الإضافة التشريفية في {بِعِبَادِي}: سكب الطمأنينة في قلوب المستضعفين؛ فالذي يتولى رعايتهم وإسراءهم هو ربهم الذي أضافهم إلى ذاته الكريمة، ومن كان عبداً لله فلن يضيعه الله.
الجملة الاسمية المؤكدة {إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ}: تفيد الجزم والتحقق، وتدريب النفوس على الصمود أمام التحديات المتوقعة.
تدبر رعاية الله لأوليائه: الله سبحانه يرتب خطوات النجاة خطوة بخطوة، ويوحي بالتوقيت والمسار، ليقود المستضعفين من ذل العبودية إلى فضاء العزة والتمكين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية الهجرة لحفظ الدين والنفس: إذا ضاقت الأرض بالمؤمنين واشتد الاضطهاد وسُدت أبواب البلاغ، فالهجرة في سبيل الله سنة ماضية لحماية الإيمان وبناء المجتمع الصالح.
الاستعداد النفسي لردود أفعال الأعداء: توطين نفوس العاملين للإسلام على أن الباطل لن يتركهم وشأنهم، بل سيطاردهم بالمكر والقوة، واليقين بأن معية الله تحرسهم.
التزام التوجيهات القيادية بدقة: انقياد الجماهير المؤمنة لقيادتها الشرعية في أوقات الأزمات؛ فالتحرك المنضبط سر النجاة في الساعات الحرجة.