روى الطبري (19/317)مصدر غير محدد١٩/٣١٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} أي قاتل نفسك ومهلكها غماً وحزناً وأسفاً على كفرهم وإعراضهم عن الإيمان؛ والبخع في لغة العرب هو قتل النفس بالغم والوجد.
قال ابن كثير (6/134)مصدر غير محدد٦/١٣٤: "أي يسلي تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في عدم إيمان من كفر به من قومه، كما قال في الكهف: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}؛ والمعنى: لا تهلك نفسك حزناً وأسفاً عليهم؛ فما عليك إلا البلاغ، ولست بمهدٍ من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".
قرر القرطبي (13/88)مصدر غير محدد١٣/٨٨: في هذا إشفاق من الله تعالى على نبيه ولطف به؛ إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً أشد الحرص على نجاة قومه وإيمانهم، فكان إعراضهم يورثه هماً جسيماً كاد يذهب بنفسه الشريفة، فأنزل الله تلطفاً به ونهياً له عن الإفراط في الحزن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَعَلَّكَ}: لعل حرف مشبه بالفعل يفيد الترجي أو الإشفاق والنهي بصورة الاستفهام، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها. وهنا مستعملة في الإشفاق والتلطف والنهي المقنع بالترفق (أي لا تبخع نفسك).
{بَاخِعٌ}: خبر لعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم فاعل من بخع يبخع بخعاً، وهو شدة الهلاك والقتل بحزن شديد.
{يَكُونُوا}: فعل مضارع ناقص منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون، والواو اسمها.
{مُؤْمِنِينَ}: خبر يكون منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. والمصدر المؤول من (ألا يكونوا) في محل نصب مفعول لأجله (أي خشية ألا يكونوا أو لأجل عدم إيمانهم)، أو مجرور بحرف جر محذوف تقديره من أجل ألا يكونوا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج الخطاب من رفعة الكتاب إلى عاطفة الرسول: بعد أن قرر عظمة القرآن وأنه الكتاب المبين، كشف السياق عن اللوعة الكامنة في قلب حامل هذا الكتاب صلى الله عليه وسلم، الذي يرى قومه يرفضون هذا النور الجلي فيهلكون، ففاض قلبه بالأسى والشفقة عليهم.
التوطئة لبيان سنن الأولين: التسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم في مطلع السورة مهدت لسرد قصص الأنبياء السابقين (موسى، إبراهيم، نوح، هود...)؛ ليرى النبي أن كل الرسل قبله قد واجهوا أقواماً عاندوا واستكبروا، فليتأسّ بهم ويثبت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على من يزعم قسوة الأنبياء أو رغبتهم في الانتقام:
تفضح الآية كل افتراء يصف النبي صلى الله عليه وسلم أو الأنبياء بالغلظة وحب السيطرة؛ فالنبي كان يموت غماً وأسفاً على كفار قريش الذين آذوه وشتموه، حباً في نجاتهم وشفقة على مصيرهم في جهنم.
هذا المشهد يجسد كمال الإنسانية والرحمة النبوية التي وصفها ربه بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، وقوله: {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
مسؤولية البلاغ وحدود الطاقة البشرية:
توجيه رباني عقلاني يضع حدوداً للتكليف؛ فالداعية غير ملزم بنتائج الدعوة ولا بتحويل قلوب الناس قهراً، وإنما تكليفه هو حسن البلاغ والصبر، والنتائج بيد الله؛ فلا ينبغي أن يحمل الداعية نفسه ما لا تطيق من لوم الذات واحتراق الأعصاب.
الاستعارة في لفظ {بَاخِعٌ}: مأخوذة من بخع الأرض بالزراعة المفرطة حتى تذهب قوتها، أو بخع الشاة إذا ذبحها وتجاوز العظم إلى النخاع؛ فاستعيرت لهلاك النفس من فرط الحزن واللوعة الإيمانية.
التعبير بأداة الإشفاق {لَعَلَّكَ}: التفاتة ربانية حانية غاية في الرقة والتكريم للرسول صلى الله عليه وسلم، تضمد جراحه وتخفف وطأة الأسى في صدره.
تدبر حرقة الداعية: الداعية الصادق هو الذي يتألم لضلال التائهين ولا ينام قرير العين وأمته تغرق في الفواحش، ولكن بضابط الرضا بقضاء الله وعدم الاستسلام للإحباط.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محبة الخير للناس والحرص على هدايتهم: أن يحمل الداعية قلباً رحيماً يشفق على العصاة والضالين، ويدعو لهم بالهداية بدل الشماتة بهم أو الدعاء عليهم.
تجنب الإحباط والاحتراق النفسي في الدعوة: أن يدرك المربي والداعية أن الهداية منحة ربانية، وأن واجبه بذل الوسع في البيان، فلا يحزن إذا أعرض الأقربون أو كذب المعاندون.
التوازن بين الحزن المشروع والتوكل: عدم ترك الهم والحزن يشل حركة الداعية عن الاستمرار في البلاغ والعمل الإيجابي.