روى الطبري (19/346)مصدر غير محدد١٩/٣٤٦ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} أي قال فرعون وملأه لبعضهم وللناس: احتشدوا لكي نتبع السحرة ونتمسك بدينهم ودين فرعون ونثبت على عبادتنا لآلهتنا إن غلبوا موسى؛ ولم يقولوا: نتبع المحق ومن كان معه الحق سواء كان موسى أو السحرة، بل بيتوا النية مسبقاً على اتباع السحرة فقط؛ لأن رغبتهم لم تكن في طلب الحق بل في تثبيت الباطل وهزيمة موسى.
قال ابن كثير (6/145)مصدر غير محدد٦/١٤٥: "هذا دليل على تعصبهم وانحيازهم الأعمى؛ فإن شأن طالب الحق أن يتبع الغالب بالحق أياً كان، ولكنهم قالوا: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ}، ولم يقولوا: نتبع موسى إن كان هو الغالب! فلما غلب موسى وسجد السحرة، انقلب فرعون على كلامه وكفر بالجميع".
بين القرطبي (13/111)مصدر غير محدد١٣/١١١: في هذا فضح للنفاق الجماهيري المصطنع التابع لهوى الحاكم؛ فالقوم يريدون نصراً للسحرة يحفظ لهم امتيازاتهم الشركية المستقرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَعَلَّنَا}: لعل حرف مشبه بالفعل يفيد الرجاء والتعليل، و"نا" اسمها في محل نصب.
{نَتَّبِعُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والجملة في محل رفع خبر "لعل". والاتباع: اقتفاء الأثر والامتثال والانقياد.
{السَّحَرَةَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمها.
{هُمُ}: ضمير فصل لا محل له من الإعراب يفيد القصر والحصر، أو مبتدأ.
{الْغَالِبِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم (أو خبر هم والجملة خبر كان). وجواب الشرط محذوف تقديره: فاتبعوهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الفضيحة النفسية للمشروع الفرعوني: كشفت الآية الهدف النهائي من المؤتمر الحاشد؛ ليس إقامة محاكمة فكرية عادلة، بل إنتاج "مشهدية انتصار" تعيد تعبيد الناس لفرعون وكهنته وتثبيت السحرة قادة للمجتمع.
المفارقة الصاعقة اللاحقة: الترتيب النظمي أعد القارئ للحدث المذهل؛ فالقوم احتشدوا لاتباع السحرة إن غلبوا، فماذا سيفعلون إذا سجد السحرة أنفسهم لموسى واتبعوا رب العالمين؟! هنا تقع الصاعقة على رؤوس المنافقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحيز الهوى وسقوط ادعاء الحياد:
محاكمة عقلية تكشف تهافت دعاة الحياد الزائف في معارك المبادئ؛ فرعون وملأه يرفعون شعار العقلانية والمناظرة، لكن بواطنهم مصممة مسبقاً على رفض الحق إن ظهر على يد الخصم: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ}.
العدالة المنطقية تقتضي أن يقول المنصف: "سنتبع الحق حيثما كان، ومع من ظهر برهانه"، أما حصر الاتباع في فصيل الباطل فدليل قاطع على فساد النية والتعصب الأعمى.
أداة الرجاء {لَعَلَّنَا}: تكشف ارتعاش الشك في نفوسهم؛ فهم لا يقطعون بالنصر بل يرجونه رجاءً مريباً، لعلمهم في الباطن بهيبة ما رأوه من آيات موسى.
ضمير الفصل {هُمُ}: لقصر الغلبة وحصرها في السحرة في أمانيهم وتطلعاتهم.
تدبر مكر الله بهم: علقوا اتباعهم بالسحرة، فشاء الله أن يسجد السحرة ويؤمنوا في ذات المجلس، فصار لزاماً عليهم بحسب شرطهم أن يسجدوا ويؤمنوا مع السحرة، ولكنهم نكصوا على أعقابهم تكبراً!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التجرد الخالص لطلب الحق: تدريب النفس على قبول الحق والانقياد له كائناً من كان قائله، والحذر من التعصب للأشخاص أو المذاهب أو الأحزاب في مواجهة النص القرآني والبرهان.
فضح النوايا المبيتة للخصوم: إدراك أن المناظرات مع أهل الأهواء غالباً ما تكون محكومة بأجندات مسبقة ترفض التسليم، ومع ذلك يُخاض الحوار لإقامة الحجة وهداية المترددين من الجماهير.
الالتجاء إلى الله لطلب الثبات: سؤال الله دائماً أن يرزقنا اتباع الحق واجتناب الباطل، وألا يجعلنا من المتعصبين للضلال.