روى الطبري (19/349)مصدر غير محدد١٩/٣٤٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: ألقى السحرة ما في أيديهم من الحبال الخشبية والجلدية والعصي المجوفة المعبأة بالزئبق والأخلاط الكيميائية، وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم، حتى خيل إلى الحاضرين وإلى موسى من سحرهم أنها حيات تسعى وتهتز في وادٍ فسيح؛ وأقسموا في لحظة الإلقاء بكبرياء وطغيان: {بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} أي أقسمنا بجلال فرعون وسلطانه وقوته إنا سنكون نحن القاهرين الغالبين لموسى اليوم!
قال ابن كثير (6/145)مصدر غير محدد٦/١٤٥: "هذا قسم من السحرة بعزة فرعون؛ لأنهم كانوا يعبدونه ويعظمونه ويعتقدون فيه الربوبية والقوة؛ وهذا شأن أهل الشرك يقسمون بغير الله من الطواغيت والملوك؛ فلما ألقوا حبالهم وعصيهم موهوا على الأبصار بما أودعوه في الحبال والعصي من الزئبق الذي يسخن بحرارة شمس الضحى فيتحرك، فخُيل للناس أنها تسعى".
بين القرطبي (13/113)مصدر غير محدد١٣/١١٣: جمع السحرة في هذا القسم بين قمة الشرك (القسم بعزة فرعون) وقمة الغرور والاستعلاء بالتوكيد التام بأنهم الغالبون لا محالة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَلْقَوْا}: الفاء عاطفة للتعقيب والامتثال، ألقوا فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل.
{حِبَالَهُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع؛ جمع حبل.
{وَعِصِيَّهُمْ}: معطوف على حبالهم منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه؛ وعصي جمع عصا (فعول أصلها عُصُوْو قلبت واواتها ياءات وأدغمت وكسرت العين والصاد للمناسبة).
{وَقَالُوا}: عطف على ألقوا، فعل ماض وفاعله.
{بِعِزَّةِ}: الباء حرف قسم وجر، عزة مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف، والجار والمجرور متعلقان بفعل قسم محذوف تقديره: نقسم بعزة.
{فِرْعَوْنَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و"نا" اسمها في محل نصب.
{لَنَحْنُ}: اللام المزحلقة للتوكيد، "نحن" ضمير فصل للتوكيد (أو مبتدأ).
{الْغَالِبُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم (أو خبر نحن والجملة خبر إن). وجملة إن واسمها وخبرها جواب القسم لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الصراع الرمزي بين عزتين: المشهد يجسد الذروة التراجيدية للصراع؛ السحرة يستندون إلى عزة مصطنعة فانية: {بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ}، في مواجهة موسى الذي يستند إلى العزة الإلهية المطلقة التي قررتها السورة: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}؛ فكان صراعاً بين عزة المخلوق العاجز وعزة الخالق القاهر.
التمهيد الفوري للهزيمة الساحقة: هذا الغرور المفرط والتوكيدات المتتابعة {إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} وضعت السحرة في أعلى قمة الوهم، ليكون هبوطهم وسقوطهم فورياً ومفاجئاً في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحريم القسم بغير الله وبطلان العزة الطاغوتية:
الآية تكشف جوهر الشرك؛ وهو تعليق القوة والتعظيم بمخلوق ضعيف، والقسم بغير الله؛ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك".
فرعون الذي أقسموا بعزته لم يستطع أن يدفع عن نفسه الغرق في اليم بعد قليل، فكيف يدفع عن غيره أو يمنحه الغلبة والنصر؟!
كشف حيل السحر الكيميائي والميكانيكي:
بين العلماء أن ما فعله السحرة كان استخداماً لخواص فيزيائية وكيميائية (كالزئبق الذي يتمدد بالحرارة ويهتز داخل العصي المجوفة) لإيهام الناس بأنها كائنات حية؛ فالسحر البشري مبني على الحيل المادية والخداع البصري، ولا يغير حقائق الأشياء أبداً.