استجابة الدعاء وركوب السفينة المملوءة بالناجين والأحياء:
روى الطبري (19/400)مصدر غير محدد١٩/٤٠٠ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: {فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} أي فاستجبنا لنوح دعاءه ونجيناه هو ومن آمن معه من أهله وأتباعه في السفينة الموقرة المملوءة حمولةً بالخلق والحيوانات والأمتعة والأقوات؛ والمشحون هو المملوء الممتلئ الذي لم يبقَ فيه موضع فراغ.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "أي نجينا نوحاً والذين آمنوا معه في الفُلك، وهو السفينة العظيمة المشحونة أي المملوءة من الأمتعة، ومن كل زوجين اثنين من الحيوانات والنبات التي أمر الله بحملها لاستبقاء الحياة في الأرض".
قال القرطبي (13/114)مصدر غير محدد١٣/١١٤: "شُحن الفُلك: إذا مُلئ حتى ضاق؛ قاله أهل اللغة؛ وكان في السفينة نوح وبنوه الثلاثة (سام، وحام، ويافث) ونساؤهم، والمؤمنون، وزوجان من كل صنف من الحيوان والدواب والطيور".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَنجَيْنَاهُ}: الفاء عاطفة تفيد السرعة والتعقيب؛ {أَنجَيْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بـ (نا) الفاعلين، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
{وَمَن}: الواو عاطفة، {مَن}: اسم موصول معطوف على الهاء في محل نصب.
{مَّعَهُ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء مضاف إليه.
{فِي}: حرف جر.
{الْفُلْكِ}: اسم مجرور بـ {فِي} وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بالفعل {أَنجَيْنَاهُ}؛ والفُلك يطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث.
{الْمَشْحُونِ}: نعت لـ {الْفُلْكِ} مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والشَّحْنُ: الملء التام مع الإحكام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الإغاثة والتناسب بين السؤال والجواب:
قال نوح: {وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، فجاء الجواب الإلهي فورياً بالفاء السريعة: {فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}؛ بنفس الألفاظ وبأعظم تجلٍّ لقدرة الله ورعايته لأوليائه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي والكوني في الفلك المشحون:
محاكمة تاريخية عقلية: كيف لسفينة خشبية مصنوعة بأدوات بدائية أن تقاوم طوفاناً انفتحت له أبواب السماء بماء منهمر وفجرت له الأرض عيوناً وتلاطمت فيه الأمواج كالجبال؟!
الجواب القرآني الحاسم: السر ليس في متانة الخشب وحده، بل في الحفظ الإلهي المباشر: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ}؛ فصناعتها كانت بوحي الله ({وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا})، ومسيرها كان بحفظه، حتى بلغت بر الأمان ورست على الجودي.
وصف الفلك بـ {الْمَشْحُونِ}: تصوير رائع لامتلاء السفينة بجميع مقومات استئناف الحياة البشرية والحيوانية والنباتية، ولبيان ضخامة الفلك واستيعابه لكل ما يحتاجه الناجون.
نون العظمة في {فَأَنجَيْنَاهُ}: لإسناد النجاة إلى الفاعل الحقيقي وهو الله العلي القدير؛ فالسفينة سبب والمنجي هو الله.
تدبر فلك النجاة في كل عصر: التوحيد والسنة هما سفينة نوح في بحار الفتن وظلمات الشبهات؛ من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك وغرق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صدق الوعد الإلهي: الله لا يضيع أولياءه؛ فحين تنقطع حيل الأرض تتدخل المعجزة من السماء لتنجي المؤمنين في أحلك الظروف.
الأخذ بالأسباب مع التوكل: أُمر نوح بنجارة السفينة وحمل الأزواج والأقوات كأسباب بشرية، ثم فوض النجاة لربه؛ فالإسلام يجمع بين إتقان السبب وكمال التوكل على مسبب الأسباب.