روى الطبري (19/364)مصدر غير محدد١٩/٣٦٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ} أي وقربنا وأدنينا هناك في قاع البحر عند مدخل تلك المسالك اليابسة فرعون وجنوده؛ والإزلاف في لغة العرب هو التقريب والإدناء خطوة خطوة؛ قادهم الله بغرورهم واستدراجهم حتى دخلوا البحر جميعاً في أثر بني إسرائيل، فلما تكامل بنو إسرائيل خارجين من الطرف الآخر، وتكامل آل فرعون داخلين في قاع البحر لم يبقَ منهم أحد خارجاً، أطبقت عليهم الأمواج.
قال ابن كثير (6/151)مصدر غير محدد٦/١٥١: "أي قربنا هناك فرعون وجنوده وأدنيناهم من البحر حتى دخلوه وسلكوا طرقاته وراء بني إسرائيل؛ وثَمَّ بفتح الثاء اسم إشارة للمكان البعيد، أي هناك في بطن البحر؛ والآخرين هم فرعون وجنوده".
بين القرطبي (13/123)مصدر غير محدد١٣/١٢٣: منتهى المكر والاستدراج الإلهي؛ أوهمهم الله بالأمان حين رأوا الطرق اليابسة والماء واقفاً، فطمع فرعون في إدراك بني إسرائيل وقال لجنوده متبجحاً: "انظروا إلى البحر كيف انفلق بأمري لأدرك عبيدي!"، فاندفعوا بكل خيولهم إلى المصيدة المهلكة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَزْلَفْنَا}: الواو عاطفة، أزلفنا فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل؛ وأزلف الرباعي بمعنى قَرّب وأدنى، ومنه الزُّلْفَى وهي القربة، ومزدلفة لأن الحجاج يقتربون فيها إلى منى أو يزدلفون إلى الله.
{ثَمَّ}: اسم إشارة للمكان البعيد مبني على الفتح في محل نصب ظرف مكان متعلق بـ "أزلفنا"؛ والمراد هناك في قاع البحر المنفلق.
{الْآخَرِينَ}: مفعول به لـ "أزلفنا" منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والمراد فرعون وجنوده؛ وسماهم "الآخرين" تحقيراً لهم وإبعاداً عن الرحمة في مقابل المؤمنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإحكام الإلهي لمشهد الاستدراج: بعد أن فتح الطرق لموسى، أزلف الكفار واستدرجهم إلى ذات المسالك؛ ليلتقي الجمعان في مكان واحد ولكن لغايتين متناقضتين: النجاة لأولياء الله، والهلاك لأعداء الله.
التمهيد للنتيجة المزدوجة: هذا الإزلاف مهد للمقابلتين التامتين في الآيتين التاليتين: نجاة موسى ومن معه ({وَأَنجَيْنَا})، وإغراق فرعون ومن معه ({أَغْرَقْنَا}).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عمى البصيرة وسكرة الغرور:
كيف يقدم جيش كامل وفرعون على اقتحام قاع بحر منفلق تقف مياهه كالجبال الراسية دون خوف من انطباقه؟!
إنه عمى البصيرة وسكرة الحقد والغيظ؛ فالطاغية إذا أعمى الله قلبه يفقد أدنى درجات الحذر العسكري، ويتحول غيظه إلى اندفاع انتحاري يقوده إلى حتفه بيده.
التدبير الخفي فوق التدبير الظاهر:
فرعون كان يظن أنه هو الذي يزحف بقراره العسكري، ولكن القرآن يصحح الرؤية: {وَأَزْلَفْنَا}؛ الله هو الذي قادهم وساقهم إلى فوهة الموت جزاء بغيهم وطغيانهم.
الدقة في استعمال فعل {أَزْلَفْنَا}: يوحي بالتقريب المتدرج السلس، كأنهم يُساقون برفق إلى حبل المشنقة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
الإبهام في وصفهم بـ {الْآخَرِينَ}: تجريد لهم من ألقاب المجد والملك (الملك، القائد، الفرسان)، وتنكير لهم وتحقير لشأنهم حتى صاروا مجرد "آخرين" منبوذين.
تدبر مكر الله بالطغاة: أعظم مكر بالظالم هو أن تجعل سلاحه وغروره هو ذاته حبل هلاكه وخاتمة أمره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من استدراج النعم والفرص الزائفة: أن يحذر العبد إذا رأى أبواب الباطل تفتح له ويسهل عليه ارتكاب المعاصي؛ فقد يكون ذلك استدراجاً وإزلافاً إلى موطن الهلاك.
اليقين بأن للظلم نهاية محتومة: الاطمئنان إلى أن الله يسوق الظالمين بخطى دقيقة إلى مواضع سحقهم، وأن بطشهم لن يستمر إلى الأبد.
الاستعاذة من عمى البصيرة: سؤال الله دائماً نور البصيرة الذي يعصم العقل من الاندفاع خلف الأهواء المهلكة.