روى الطبري في جامع البيان (19/319)مصدر غير محدد١٩/٣١٩ عن قتادة ومجاهد: {مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ} أي ما يأتيهم من آية قرآنية أو موعظة أو سورة يجدد الله بها تذكيرهم ودعوتهم، تنزل حيناً بعد حين حسب الوقائع والأحوال، إلا قابلوها بالتكذيب والإعراض والصدود.
قال ابن كثير (6/135)مصدر غير محدد٦/١٣٥: "أي كلما نزل كتاب أو وحي من السماء جديد النزول، طري العهد بالرحمن رفقاً بهم وتذكيراً لهم، أعرض أكثر الناس عنه وكذبوا به؛ كقوله تعالى في الأنبياء: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}".
قرر أئمة السنة (كالطبري، والدارمي، وابن تيمية): الذكر المحدث هو القرآن من جهة تنزيله وإنزاله وتجدد مواعظه وقتاً بعد وقت، وليس المراد أن كلام الله حادث بعد أن لم يكن مخلوقاً كما زعم أهل البدع من الجهمية والمعتزلة؛ فكلام الله صفة ذاتية أزلية يتكلم بها متى شاء كيف شاء، وإحداث التنزيل لا يعني خلق الكلام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، "ما" نافية تفيد الاستغراق.
{يَأْتِيهِم}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والهاء مفعول به، والميم للجمع.
{مِّنَ الرَّحْمَٰنِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ "ذكر".
{مُحْدَثٍ}: نعت ثان لـ "ذكر" مجرور لفظاً على اللفظ أو مرفوع على المحل؛ والمحدث: الجديد النزول والطري التجدد في السماع والموعظة.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص، والواو اسمها.
{عَنْهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ "معرضين".
{مُعْرِضِينَ}: خبر كانوا منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والإعراض: الصدود والالتفات بالوجه والقلب عن الحق تكبراً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتابع التلطف والرحمة مقابل تتابع الجحود: النظم يبرز مفارقة مؤلمة؛ فكلما جدد الرحمن رحمته بإنزال آيات جديدة تناسب أحوالهم وتوقظ غفلتهم {ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ}، قابلوا هذا التجدد في الإنعام بتجدد في الإعراض والصدود، وهو غاية اللؤم البشري.
التمهيد لنزول الوعيد: تكرار الإعراض مع توالي التذكير يقطع كل معذرة للكفار، ويمهد لعقابهم في الآية التالية: {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحرير مسألة "الذكر المحدث" ودحض بدعة خلق القرآن:
استدلت المعتزلة بوصف الذكر بـ {مُحْدَثٍ} على خلق القرآن؛ لأن المحدث عندهم مرادف للمخلوق.
رد أئمة أهل السنة والجماعة (كابن قتيبة والآجري وابن تيمية وابن كثير) بأن المحدث هنا صفة للتنزيل والذكر الواقع إليهم؛ فالوحي يتنزل في وقائع متجددة ومحدث في النزول والبلوغ إلى أسماعهم، ولا يلزم من حدوث التنزيل أن يكون الكلام المنزَّل مخلوقاً.
فكلام الله صفة من صفاته القائمة بذاته، والقرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.
بيان فظاعة الإعراض عن الرحمن:
الموعظة جاءت مقرونة بصفة {الرَّحْمَٰنِ} التي تقتضي اللين والرحمة والشفقة بمصالحهم؛ فإعراضهم لم يكن عن تشريع قاسٍ ولا عن سلطان متجبر، بل عن رب رحيم يفيض عليهم بالنعم ويدعوهم إلى دار السلام، فكان إعراضهم دليلاً على فساد بواطنهم.
الاستغراق بدخول "مِنْ" الزائدة {مِّن ذِكْرٍ}: لتأكيد أنهم لم يعرضوا عن بعض القرآن فقط، بل أعرضوا عن أي ذكر وأي آية مهما كانت واضحة ومؤثرة.
تخصيص اسم {الرَّحْمَٰنِ}: لتشنيع موقفهم؛ إذ كيف يفر الإنسان ويعرض عن رحمة ربه المهداة إليه لإنقاذه من الشقاء؟!
التعبير بالفعل المضارع {يَأْتِيهِمْ}: لاستحضار استمرار تدفق الآيات ومواصلة الدعوة، في مقابل ثبوتهم على الإعراض المعبر عنه بالجملة الاسمية {كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجديد الخطاب الدعوي والموعظة: على الدعاة أن يجددوا في أساليب التذكير ويراعوا مستجدات العصر وأحوال المخاطبين، اقتداءً بسنة القرآن في تنزيل الذكر المحدث المناسب للوقائع.
الحذر من قسوة القلب تجاه المواعظ: تفقد القلب عند سماع الآيات والمواعظ؛ فالإعراض المستمر علامة على مرض القلب وابتلائه بالران.
تلقي القرآن ببهجة وشوق: استشعار أن كل آية نقرؤها هي رسالة رحمة ولطف من الرحمن موجهة إلينا لتجديد حياتنا الروحية.