روى الطبري (19/401)مصدر غير محدد١٩/٤٠١ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} أي ثم بعد أن أنجينا نوحاً ومن معه وحملناهم في السفينة، أهلكنا وأغرقنا بالطوفان سائر من بقي على وجه الأرض من الكفار المكذبين، فلم يبقَ منهم على ظهر الأرض عين تطرف ولا نفس تتنفس.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "أي أهلك الله جميع من كذب بنوح عليه السلام، فغرقوا عن آخرهم، ولم يبقَ من بني آدم إلا ذرية نوح عليه السلام ومن نجا معه؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ}".
قال القرطبي (13/114)مصدر غير محدد١٣/١١٤: "لفظ {بَعْدُ}: أي بعد إنجاء نوح وأصحابه؛ والباقون: هم الذين تخلفوا عن ركوب السفينة من قومه الكافرين، فأحاط بهم الماء من فوقهم ومن تحت أرجلهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي في الرتبة والمنزلة أو التراخي الزمني لمسير السفينة وتمكن الماء.
{أَغْرَقْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بـ (نا) الفاعلين، و(نا) ضمير متصل فاعل.
{بَعْدُ}: ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى (أي بعد إنجائهم)، وهو متعلق بالفعل {أَغْرَقْنَا}.
{الْبَاقِينَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والمراد بالباقين: المتخلفين عن السفينة من أهل الكفر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين النجاة والإغراق:
في الآية 119: إنجاء الموحدين في الفلك المشحون ({فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ}).
في الآية 120: إغراق الكافرين في الطوفان العام ({ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ}).
فاكتمل المشهد الكوني بمحو الباطل وتطهير الأرض وإبقاء شجرة الإيمان لتثمر من جديد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عدالة الإهلاك واستحقاق المكذبين للغرق:
محاكمة عقلية وتاريخية: قد يستعظم بعض الملاحدة شمول الطوفان؛ والجواب أن قوم نوح استمروا في الكفر والظلم والفساد والتهديد بالقتل ألف سنة إلا خمسين عاماً، وتوارثوا الكفر جيلاً بعد جيل، حتى صار الوالد يوصي ولده بكفر نوح وقتله، فما بقي فيهم مطمع لصلاح ولا ذرة خير، فكان استئصالهم عين الحكمة والرحمة بالبشرية اللاحقة حتى لا يفسد الكوكب كله، كما قال تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.