روى الطبري (19/351)مصدر غير محدد١٩/٣٥١ عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} أي لما رأى السحرة عيان ما صنعت عصا موسى، واضمحلال حبالهم وعصيهم في جوفها، تيقنوا بالبصيرة العلمية أن هذا أمر من السماء لا يبلغه سحر ولا علم بشري، فما تمالكوا أنفسهم ولا ملكوا جوارحهم حتى سقطوا وخروا على وجوههم ساجدين لله الواحد القهار، كأنما رماهم رامٍ وقذفهم قاذف من شدة ما باغتهم من نور الإيمان وهيبة الحق.
قال ابن كثير (6/146)مصدر غير محدد٦/١٤٦: "هذا من أعظم مشاهد التاريخ الإيماني؛ خرّ السحرة سجداً لله رب العالمين دفعة واحدة أمام فرعون وملئه وجماهير مصر؛ ولم يكن سجودهم عن تردد أو مشورة، بل خروا صرعى تحت سلطان الحقيقة القاهرة؛ فسبحان من هداهم من قمة الكفر والسحر إلى قمة الإيمان والشهادة في طرفة عين!".
بين القرطبي (13/114)مصدر غير محدد١٣/١١٤: قال عكرمة وابن عباس: لما خر السحرة سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم وغرفهم في الجنة، فازدادوا ثباتاً ويقيناً؛ وبناء الفعل للمجهول {فَأُلْقِيَ} يدل على أن قوة الإيمان وقهر الدليل ألقتهم على وجوههم إلجاءً واضطراراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأُلْقِيَ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والمفاجأة والسرعة القصوى، ألقي فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله (مبني للمجهول) مبني على الفتح.
{السَّحَرَةُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{سَاجِدِينَ}: حال منصوبة من السحرة وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ واسم فاعل من سجد يسجد، والسجود غاية التذلل والخضوع بوضع الجبهة على التراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الإعجازية في فعل الإلقاء:
في الآية (43): {أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ}.
في الآية (44): {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ}.
في الآية (45): {فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ}.
وهنا في الآية (46): {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}!
نظم بديع متناسق عجيب؛ ألقوا الحبال، وألقى موسى العصا، فكانت النتيجة أن أُلقي السحرة أنفسهم على وجوههم ساجدين خاضعين لعظمة الله؛ فبدل أن تلقى حبالهم صرعى ألقيت أجسادهم خاشعة.
التمهيد لإعلان الشهادة الصادعة: السجود كان فعلاً حركياً، أتبعه السحرة مباشرة بالإعلان اللفظي التوحيدي الصادع في الآية التالية: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحول المتخصصين: الدليل العلمي القاطع على صدق النبوة:
إسلام السحرة بالذات وسجودهم الفوري هو أكبر برهان علمي وتاريخي على صدق معجزة موسى؛ لأن السحرة هم أدرى الناس بفنون الصنعة، وهم الذين وظفهم فرعون لنصرته، ولديهم أقصى دوافع الدنيا للانتصار عليه (المال والقرب والمكانة).
فلما كان هؤلاء الخبراء بالذات هم أول من ضحى بكل تلك المغانم وسجدوا لله، دل ذلك بيقين لا يقبل الشك على أن ما رأوه لم يكن من جنس السحر البتة، بل كان أمراً إلهياً قاهراً يوجب الإيمان.
أثر اليقين المفاجئ في تحطيم كبرياء النفس:
التعبير بـ {فَأُلْقِيَ} يبرهن على أن الحقيقة حين تسطع على الفطرة تسحق كل كبرياء ومكابرة وتدفع صاحبها دفعاً إلى الانكسار بين يدي خالقه.
البناء للمجهول في {فَأُلْقِيَ}: إشعار بأن هيبة الحق وسلطان البرهان هو الذي قذفهم على الأرض خاضعين، كأنهم فقدوا السيطرة على حركة أجسادهم أمام جلال الرب.
الفاء التعقيبية: تفيد انعدام أي تردد أو مهلة؛ فلم يتشاوروا ولم يتفاوضوا، بل هوى الجميع في سجدة واحدة متزامنة أذهلت الحضور.
تدبر سر السجود: اختاروا السجود بالذات لأن السجود هو قمة التذلل للمعبود، وهو إعلان فوري للتبرؤ من كل ربوبية مزعومة لفرعون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الانقياد الفوري للحق عند ظهوره: الاقتداء بالسحرة في سرعة الرجوع إلى الحق بمجرد وضوح البرهان، وترك المكابرة والعناد مهما كانت التكاليف.
إدراك سرعة تحول القلوب: اليقين بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء؛ فلا ييأس الداعية من هداية أعتى المضللين والمذنبين.
تعظيم عبادة السجود: استشعار هيبة السجود لله وما فيه من قرب وخضوع، وجعله الحصن الذي يلوذ به العبد عند المحن والفتن.