جواب نوح الحكيم بتبرئة أتباعه ورد الأمر إلى البواطن:
روى الطبري (19/397)مصدر غير محدد١٩/٣٩٧ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي قال نوح مجيباً لهم: وأي علم لي بصنائعهم ومهنهم السابقة، أو بنياتهم وسرائرهم وما تنطوي عليه قلوبهم؟! لم أُبعث لأفتش عن مكاسبهم أو سرائرهم، بل كُلفت بقبول ظاهر إسلامهم وتوحيدهم لله.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "أي وما عليَّ من صنائعهم ومعايشهم، إنما كُلفت أن أقبل منهم إيمانهم وظاهرهم، وأما بواطنهم وأعمالهم فالله يتولاها ويحاسبهم عليها".
قال القرطبي (13/112)مصدر غير محدد١٣/١١٢: "فيه دليل على أن الأحكام في الشريعة تبنى على الظواهر والله يتولى السرائر، وأن مهن الناس الدنيوية الكادحة لا تنقص من أقدارهم الدينية إذا استقاموا على التوحيد".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر (نوح).
{وَمَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، {مَا}: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ؛ والاستفهام للنفي والإنكار (أي لا علم لي ببواطنهم).
{عِلْمِي}: خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{بِمَا}: الباء حرف جر، {مَا}: اسم موصول في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلق بالمصدر {عِلْمِي}.
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{يَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والجملة خبر {كَانُوا}، وصلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفنيد الذرائع الطبقية بمنطق الشريعة:
لما طعن الملأ في أتباعه بأنهم أراذل أصحاب مهن وضيعة أو أنهم لم يؤمنوا إلا نفاقاً وطلباً للطعام، رد نوح رداً حاسماً: ليس من شأن الرسالة التفتيش في مهن العباد ولا التنقيب في قلوبهم، بل ميزان القبول هو الاستجابة للتوحيد؛ فرد نوح كبرهم إلى أصل العدل الإلهي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة الحكم بالظاهر ورد السرائر إلى الله:
محاكمة أصولية: أراد المستكبرون إسقاط إيمان الفقراء بالتشكيك في دوافعهم (كأن يقولوا: اتبعوك طمعاً في طعامك أو تخلصاً من ديونهم)؛ فأسس نوح القاعدة الذهبية التي سارت عليها كل النبوات: "إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ"؛ فالإنسان يُعامل بظاهر صدقه وتوحيده، والله وحده مطلع على السرائر والنيات.
الاستفهام الإنكاري بـ {وَمَا عِلْمِي}: نفي قاطع لادعاء علم الغيب؛ فالنبي يقر بعبوديته وبشريته وحدود علمه، خلافاً للكهان وأهل الدجل.
صيغة الاستمرار في {كَانُوا يَعْمَلُونَ}: تشمل ماضيهم قبل الإسلام وصنائعهم؛ فالإسلام يجبّ ما قبله ولا يؤاخذ الإنسان بما كان عليه في الجاهلية.
تدبر أدب الأنبياء في الرد: لم يقابل نوح شتيمتهم بمثلها، بل وجه العقول إلى ميزان الحقيقة والشرع برصانة وهدوء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة أعراض المؤمنين: لا يجوز للداعية أو الحاكم أن يشكك في نيات المخلصين أو يتهمهم بالمصالح الدنيوية ما دام ظاهرهم الصدق والاستقامة.
تكريم العمل الشريف: المهن اليدوية والكادحة ليست عيباً ولا رذالة في ميزان الإسلام؛ فقد كان نوح نجاراً، وداود حداداً، وزكريا نجاراً، ومحمد صلى الله عليه وسلم رعى الغنم.