روى الطبري (19/409)مصدر غير محدد١٩/٤٠٩ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ} أي فلما استمروا على تكذيب هود وقالوا ما نحن بمعذبين، نزل بهم بأسنا فأهلكناهم بريح صرصر عاتية شديدة البرودة والصوت، دمرت ديارهم واقتلعتهم من مصانعهم ورمت بهم أمواتاً كأعجاز نخل خاوية؛ {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} أي وإن في إهلاكهم بتلك الريح الباردة مع عظم أجسامهم وقوتهم لدلالة وعبرة ظاهرة، وما كان أكثرهم بمصدقين.
قال ابن كثير (6/159)مصدر غير محدد٦/١٥٩: "أي أصروا على تكذيبه وعناده، فسلط الله عليهم الريح العقيم التي ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، فأهلكتهم عن آخرهم ولم ينجُ إلا هود والذين آمنوا معه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَكَذَّبُوهُ}: الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب؛ {كَذَّبُوا}: فعل ماضٍ وفاعله، والهاء مفعول به عائد على هود.
{فَأَهْلَكْنَاهُمْ}: الفاء عاطفة تفيد سرعة وقوع العقاب؛ {أَهْلَكْنَا}: فعل ماضٍ وفاعله، والهاء مفعول به والميم للجمع.
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}: إعرابها متطابق مع الآيات السابقة؛ تقرير وتذييل وعظي مسجل على مدار التاريخ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيجاز القصة وبلاغة الفاء التعقيبية:
جمعت الآية بين الجريمة والجزاء في كلمتين متواليتين بالفاء: {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ}؛ للدلالة على أن الهلاك ترتب على التكذيب ترتب الأثر الحتمي على سببه بلا مهلة ولا تراخٍ، وأن تلك القوة الهائلة والمصانع الشامخة تلاشت في لحظات خاطفة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هلاك أعتى الأمم بألطف الأجسام (الهواء):
محاكمة كونية معجزة: كانت عاد تفتخر بقوة أبدانها وتقول: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}؛ فبأي شيء أهلكهم الله؟! لم يهلكهم بجيش ولا بجبال، بل أهلكهم بـ "الريح واللطيف من الهواء"! وهو ألطف المخلوقات وأرقها؛ ليعلم الجبارون أن الله قادر على إهلاكهم بأضعف جنوده إذا سلطه عليهم، فصار الهواء الذي يتنفسونه سبباً في تمزيق أحشائهم وتنكيس رؤوسهم.