روى الطبري (19/375)مصدر غير محدد١٩/٣٧٥ عن قتادة والسدي ومجاهد: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} أي فإن كل هذه الأصنام التي تعبدونها أنتم وآباؤكم الأقدمون هي أعداء لي أتبرأ منها وأعاديها ولا أرجو منها خيراً ولا أخشى منها ضراً، لكني أعبد وأوالي رب العالمين وحده لا شريك له.
قال ابن كثير (6/152)مصدر غير محدد٦/١٥٢: "يقول: إن كانت هذه الآلهة تؤثر شيئاً فلتفعل، فإني عدو لها لا أبالي بها ولا أفكر فيها، كما قال هود لقومه: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ}؛ وهذا استثناء منقطع إن كان القوم يعبدون الأصنام فقط، أو متصل إن كانوا يعبدون الله ويعبدون معه الأصنام فاستثنى الله تعالى".
قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى 10/248): "هذه هي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) متحققة بأكمل معانيها في قول الخليل؛ نفي عام وبراءة تامة من كل معبود، وإثبات خالص لرب العالمين وحده".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَإِنَّهُمْ}: الفاء رابطة لجواب مقدر أو تعليلية، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إن، والميم للجمع.
{رَبَّ}: مستثنى منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ وهو استثناء منقطع بمعنى (لكن رب العالمين هو وليي ومعبودي) إن كانت آلهتهم أصناماً محضة خالية من تعظيم الله، أو استثناء متصل إن كانت آلهتهم تشمل الله وشركاءه كما كان يفعل مشركو العرب في التلبية.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بلوغ المناظرة ذروة المفاصلة العقدية:
تدرج إبراهيم: سألهم أولاً {مَا تَعْبُدُونَ}، ثم فضح عجزها {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ}، ثم أبطل تقليدهم {أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ}، فلما تمهدت الأرضية المنطقية أعلن المفاصلة العقدية الصريحة {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي}؛ مبيناً أنه لا مكان لأنصاف الحلول ولا للتعايش مع الشرك، بل هي براءة مطلقة وولاء تام لرب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف تكون الأصنام والجمادات "عدواً" وهي لا تعقل؟
الجواب من وجهين:
مجاز عقلي مبني على معاملتها معاملة العدو في الأثر؛ لأن عبادتها تؤدي بصاحبها إلى أعظم عداوة وهي دخول النار وغضب الجبار، فصارت كألد الأعداء للإنسان.
أنها تتبرأ من عابديها يوم القيامة وتنقلب عليهم أعداء كما قال تعالى: {كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا}.
شبهة الاستثناء المنقطع: الاستثناء بـ {إِلَّا} هنا ليس اعترافاً بأن الله من جنس الأصنام، بل هو استدراك لتوكيد أن الولاء والعبادة لا تصرف إلا للمستحق الأوحد وهو رب العالمين.
الإفصاح بضمير المتكلم {عَدُوٌّ لِّي}: لم يقل: "إنهم أعداء لكم"، بل نسب العداوة لنفسه {لِّي}؛ ليعلموا شجاعته وتجرده، وأنه يبدأ بنفسه في تطبيق ما يدعو إليه غير مبالٍ بآلهتهم المزعومة.
إفراد لفظ {عَدُوٌّ}: للدلالة على أن جميع آلهتهم الباطلة مهما تكاثرت وتنوعت فإنها تتحد في صفة واحدة وكيان واحد هو معاداة الحق وإضلال الخلق.
تدبر حقيقة لا إله إلا الله: التوحيد لا يكتمل بمجرد إثبات وجود الله، بل لا بد من الكفر بالطاغوت والبراءة التامة من كل ما يعبد من دون الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مفاصلة أهل الباطل في عقائدهم: لا يجوز للمسلم أن يداهن في أصول التوحيد، بل يعلن ولاءه لله وبراءته من الشرك وأهله.
التحدي الإيماني: الداعية الذي يمتلئ قلبه بتعظيم رب العالمين لا يخشى كيد الآلهة المزيفة ولا تهديدات الطغاة.