أخرج الطبري (19/413)مصدر غير محدد١٩/٤١٣ عن قتادة في قوله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، قال: أمره الله تعالى أن يلين جانبه، ويتواضع لمن آمن به من عباده، وأن يضمهم إليه ويرحمهم.
وقال البغوي (6/134)مصدر غير محدد٦/١٣٤: "أي: أَلِنْ جانبك وتواضع لمن آمن بك وأطاعك؛ وأصله أن الطائر إذا أراد أن يضم فرخه إلى نفسه خفض جناحه له ليدفئه ويحميه".
وذكر ابن كثير (6/169)مصدر غير محدد٦/١٦٩: "كما قال تعالى في الآية الأخرى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{اخْفِضْ}: الخفض ضد الرفع، وهو هنا تمثيل للتواضع واللين وترك الترفع.
{جَنَاحَكَ}: الجناح من الطائر يده، وخفض الجناح كناية تمثيلية شهيرة في كلام العرب عن التواضع والرأفة والاحتضان.
{اتَّبَعَكَ}: الاتباع هو السير وراء الهادي واقتفاء أثره عقيدة وعملاً.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَاخْفِضْ}: الواو عاطفة، {اخْفِضْ} فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{جَنَاحَكَ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
{لِمَنِ}: اللام حرف جر، "من" اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ {اخْفِضْ}.
{اتَّبَعَكَ}: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في "اتبعك"، أو من الموصول "من".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
توازن المنهج بين الشدة على المعاندين والرحمة بالمؤمنين:
بعد أن أمره بالإنذار الصارم للعشيرة المعاندة: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، قابله بالأمر باللين والرحمة والتواضع لمن استجاب وآمن: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
وهذا يعطي الداعية الميزان النبوي الدقيق: مهابة في الإنذار وقوة في إقامة الحجة، مع تواضع جمّ وحنان فياض للأتباع المستضعفين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تكريم المستضعفين وإبطال منطق المستكبرين:
محاكمة اجتماعية عقدية: كفار قريش والمستكبرون في كل عصر (كما قالت الأمم لنوح وهود وصالح) كانوا يشترطون طرد الفقراء والمستضعفين لمجالسة النبي، فجاء هذا الأمر الإلهي القاطع يوجب خفض الجناح لهؤلاء المؤمنين ولو كانوا ضعافاً فقراء كبلال وصهيب وعمار؛ فالمعيار عند الله هو الإيمان والاتباع لا المال والجاه.
شبه هيئة المتواضع المشفق الحاني بهيئة الطائر حين يحنو على فراخه ويضمها بجناحيه ليقيها البرد والعدوان؛ فهي استعارة تمثيلية تعبر عن أقصى درجات الاحتواء العاطفي والأمان النفسي.
تدبر مقام النبوة: الرسول ﷺ وهو أعظم الخلق قدراً يخاطبه ربه بهذا التواضع؛ فكيف يسوغ لمن دونه أن يتكبر على إخوانه المسلمين؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):