روى الطبري (19/344)مصدر غير محدد١٩/٣٤٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} أي يجمع لك أولئك الحاشرون كل من برع وفاق في السحر ونهايته، من الشيوخ المعلمين ورؤساء الكهنة الذين انتهت إليهم علوم السحر والطلسمات والتمويه؛ لكي لا يبقى في مصر ساحر ماهر إلا حُضر لمواجهة موسى.
قال ابن كثير (6/144)مصدر غير محدد٦/١٤٤: "سحار صيغة مبالغة؛ أي كثير السحر، عليم بفنونه وطرقه وأبوابه؛ ولم يكتفوا بطلب الساحر العادي، بل طلبوا كبار السحرة وأئمتهم؛ ليضمنوا الغلبة والقهر لموسى في زعمهم".
القراءات في {سَحَّارٍ}: قرأ حمزة والكسائي: {بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}، وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر): {بِكُلِّ سَحَّارٍ} بصيغة المبالغة (فعّال)؛ وهما قراءتان متكاملتان؛ فمن قرأ ساحر أراد جنس أصحاب السحر، ومن قرأ سحار أراد المبالغة في الحذق والمهارة والتمكن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَأْتُوكَ}: فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب (ابعث)، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
{بِكُلِّ}: جار ومجرور متعلقان بـ "يأتوك"، والباء للتعدية والمصاحبة، وكل مضاف. وتفيد الاستغراق والشمول التام.
{سَحَّارٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة؛ صيغة مبالغة على وزن فَعّال، تدل على كثرة ممارسة السحر والبراعة الفائقة فيه.
{عَلِيمٍ}: نعت لـ "سحار" مجرور بالكسرة؛ صيغة مبالغة لبيان كمال الدراية بأسرار الصنعة وخفاياها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعزيز الفني لكفاءة السحرة: في الآية (34) قال فرعون: {إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}، فجاءت مشورة الملأ مطابقة للتوصيف لتقديم الحل المكافئ: سنجلب لك من هو أعظم منه؛ سنأتيك {بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} ليردوا كيده في نحره.
التمهيد لتمام المعجزة: كلما كان السحرة أكثر علماً ومهارة وحذقاً، كانت معجزة موسى أعظم أثراً؛ لأن غير الخبير قد يلتبس عليه الأمر، أما كبار السحرة والعلماء بفنون الصنعة فهم أول من يدرك أن ما فعله موسى خارق للطبيعة الإنسانية وخارج عن طوق البشر، ولذلك كانوا هم أول الساجدين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة شهادة أهل الاختصاص:
تجلت الحكمة الإلهية في حشد كبار المتخصصين في السحر؛ لكي لا يطعن طاعن في المعجزة ويقول: "لو كان هناك سحرة مهرة لهزموا موسى".
فلما حضر رؤوس السحر ونخبته المعتمدة في الدولة، وعجزوا جميعاً وأعلنوا إيمانهم، سقطت كل شبهة، وصارت شهادتهم حجة علمية قاطعة على فرعون وسائر الشعب؛ فالخبير هو أحق الناس بتمييز الصدق من الدجل.
عموم الاستغراق في {بِكُلِّ}: لبيان عدم ترك أي طاقة سحرية في البلاد؛ مما يعظم مشهد الهزيمة لاحقاً.
اقتران صيغتي المبالغة {سَحَّارٍ عَلِيمٍ}: جمع بين كثرة الممارسة العملية (سحار) وبين العمق المعرفي النظري (عليم)؛ لتهيئة أقصى قوة مضادة ممكنة.
تدبر الاستدراج الإلهي: فرعون يجمع جنوده وسحرته لترسيخ عرشه، والله يجمعهم ليجعلهم أول المؤمنين المضحين بدمائهم في سبيله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاحتكام إلى المتخصصين الراسخين: في المناظرات الفكرية والعلمية، ينبغي مواجهة حجج الباطل بأهل العلم الراسخين القادرين على تفكيك الشبهات بالأدلة الصارمة.
عدم الهيبة من حشود الباطل وإمكاناته: ألا يخاف المؤمن إذا رأى أهل الباطل يجندون كبار الخبراء والإعلاميين والأموال لمهاجمة الإسلام؛ فالحق منصور بإذن الله.
تحول السلاح إلى نصرة الحق: الثقة بأن الله قادر على هداية ألد الخصوم وتحويلهم إلى جنود مخلصين يدافعون عن دينه.