روى الطبري (19/318)مصدر غير محدد١٩/٣١٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً} أي معجزة باهرة تقهرهم وتلجئهم إلى الإيمان اضطراراً، {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} أي فتظل رقابهم ورؤوسهم ورؤساءهم خاضعين ذليلين منقادين لا يستطيع أحد منهم إنكارها ولا الامتناع عن السجود لها، ولكنا لم نفعل ذلك لأننا نريد إيماناً اختيارياً عن بصيرة ومحبة لا عن قهر واضطرار.
قال ابن كثير (6/135)مصدر غير محدد٦/١٣٥: "يقول تعالى مخبراً عن قدرته العظيمة: إنه لو شاء لأنزل من السماء آية يُضطرون بها إلى الإيمان، وتخضع لها رقابهم كرهاً، ولكنه تعالى بحكمته لا يريد إلا الإيمان الاختياري الذي يستحق صاحبه الثواب؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".
معنى {أَعْنَاقُهُمْ}: قال مجاهد وابن زيد: الأعناق هي الرقاب الحقيقية، والتعبير بالرقبة تعبير عن كلية الجسد والذل؛ وقيل: الأعناق هم كبراء القوم ورؤساؤهم وجماعاتهم، يقال: جاءت أعناق الناس أي جماعاتهم وأشرافهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِن}: حرف شرط جازم.
{نَّشَأْ}: فعل الشرط مجزوم بالسكون، وفاعله مستتر تقديره نحن (ضمير العظمة الإلهية)، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: إن نشأ تنزيل آية قاهرة.
{مِّنَ السَّمَاءِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "ننزل" أو بمحذوف حال من آية.
{آيَةً}: مفعول به منصوب بالفتحة؛ نكرة دالة على التعظيم والتهويل (آية قاهرة خارقة).
{فَظَلَّتْ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب، ظلت فعل ماض ناقص ناسخ من أخوات كان، والتاء للتأنيث؛ واستعمال الماضي هنا لتحقق الوقوع كأنه وقع واستقر.
{أَعْنَاقُهُمْ}: اسم ظلت مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{لَهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ "خاضعين".
{خَاضِعِينَ}: خبر ظلت منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ وجمع الأعناق بالياء والنون المختصين بالعقلاء مراعاة لأصحاب الأعناق وهم البشر والكبراء، أو لإسناد الخضوع إليها وهو من صفات العقلاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسلية أخرى لرسول الله: بعد أن نهاه عن بخع نفسه أسفاً على كفرهم، بين له أن عدم إيمانهم ليس لعجز الله عن قهرهم، بل هو لتمام حكمة الله؛ فلو أراد الله إيمانهم لقهرهم بآية سماوية لا تدع لأحد شكاً، فاطمئن يا محمد واعلم أن الأمر كله لله.
التمهيد لذكر إعراضهم المستمر: ما دام الله لم ينزل آية القهر، فإن هؤلاء المعاندين سيستمرون في غيهم ويعرضون عن كل موعظة لينة تنزل برحمة، كما في الآية التالية: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة نفي الإيمان القهري والاضطراري:
تؤسس الآية لفلسفة التكليف والحرية الإنسانية في الإسلام؛ فالإيمان القسري المبني على الرؤية الحسية القاطعة للغيب (كأن تنزل صاعقة أو ينشق ملك من السماء يراه الجميع) يسقط الابتلاء ويبطل التكليف ويجعل الإيمان كمعاينة الموت، وحينها لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
القيمة الإيمانية تكمن في تصديق العقل والوجدان بالبراهين والحجج مع بقاء ستار الغيب، ليتميز الصادق من الكاذب بالجهاد والمجاهدة.
الجمع بين إرادة الهداية وعدم القهر:
إرادة الله الشرعية تحب الإيمان وترضاه لجميع العباد، ولكن إرادته الكونية اقتضت جعل الدنيا دار اختبار لا دار قهر وإلجاء.
المجاز المرسل في {أَعْنَاقُهُمْ}: أطلق الجزء (العنق والرقبة) وأراد الكل (الإنسان كله)؛ وعلاقته الجزئية، واختص العنق لأن موضع الذل والخضوع والانكسار يظهر أول ما يظهر في طأطأة الرأس وخفض العنق.
التعبير بـ {خَاضِعِينَ} بجمع العقلاء: تغليب لأصحاب الأعناق على العضو نفسه؛ لأن الخضوع فعل إرادي قلبي وجسدي لا يصدر إلا من عاقل مكلف.
تدبر سعة الحلم الإلهي: قدرة الله المطلقة على قهر العصاة في لحظة واحدة، ومع ذلك يحلم عليهم ويمهلهم ليتوبوا أو يظهر ما في قلوبهم من عناد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
احترام إرادة المدعوين وحريتهم: أن يدرك الداعية أنه ليس مسيطراً ولا جباراً على الناس؛ فلا يلجأ إلى أساليب الإكراه أو التضليل، بل يقيم الحجة بالبيان والمنطق.
التواضع والخضوع لله طوعاً: أن يسارع العبد إلى إخضاع عنقه وجوارحه لآيات الله طوعاً ومحبة اليوم، قبل أن يخضع لها كرهاً وذلاً يوم تبلى السرائر.
اليقين بعزة الله وقدرته: اطمئنان قلب المؤمن إلى أن تمرد الكفار والظلمة في الأرض إنما هو بإمهال الله لا بعجزه، وأن الله قادر على إذلالهم في أدنى من لمح البصر.