روى الطبري (19/397)مصدر غير محدد١٩/٣٩٧ عن قتادة ومجاهد: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} أي ما حساب نياتهم وأعمالهم وجزاؤهم إلا على ربي الذي خلقهم ويعلم سرهم وعلانيتهم، لا عليَّ ولا عليكم؛ لو كان لكم عقل وفهم وشعور بحقيقة الأمر لما اشتغلتم بالطعن فيهم.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "أي إنما حسابهم على الله عز وجل، هو الذي يجازيهم على أعمالهم ونياتهم، لا أنا؛ فلو كان لكم شعور وفهم لعلمتم أن من أسلم وحقق التوحيد فقد نجا ووجبت موالاته كائناً من كان".
قال السعدي (ص 595)مصدر غير محدد٥٩٥: "لو تشعرون بحقائق الأمور وموازين العدل، لعلمتم أن التفاضل ليس بالدنيا وأحسابها، بل بالإيمان والتقوى اللذين يحاسب الله العباد عليهما".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{رَبِّي}: اسم مجرور بـ {عَلَىٰ} وعلامة جره الكسرة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه؛ والجار والمجرور في محل رفع خبر المبتدأ {حِسَابُهُمْ}؛ ومجموع الجملة مستأنفة مقررة.
{لَوْ}: حرف امتناع لامتناع (أو شرطية غير جازمة).
{تَشْعُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ وجواب {لَوْ} محذوف تقديره: (لو تشعرون لما قلتم ذلك، أو لعلمتم صدق ما أقول)؛ ومجموع جملة لو وجوابها اعتراضية تذييلية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفويض الحساب إلى صاحب الملك والسلطان:
لما قال في الآية السابقة: {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} نافياً عن نفسه علم السرائر، عقب مباشرة ببيان المرجع الحق في الحساب: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي}؛ ليقطع ألسنة المتطاولين على نيات المؤمنين المستضعفين، وليذكرهم بأن المحاسب هو الله الذي لا تخفى عليه خافية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتزاع سلطة التفتيش في القلوب:
محاكمة حاسمة ضد التغول على حقوق الخالق: حساب العباد ليس موكولاً للبشر، لا لأنبياء ولا لملوك؛ فمن نصب نفسه محاسباً على نيات الناس وضمائرهم فقد نازع الله في ربوبيته وخاصة من خصائصه؛ فالمطلوب من العبد أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب، وأن يترك حساب الخلق لخالقهم.