أخرج الطبري (19/416)مصدر غير محدد١٩/٤١٦ عن ابن عباس رضي الله عنهما في أحد القولين: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} قال: "يريد تقلبك في صلاتك مع المصلين حين تقوم وتركع وتسجد إماماً لهم". وهذا قول مجاهد وقتادة والحسن والضحاك.
وروى الطبري أيضاً والحاكم في "المستدرك" (2/338)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٣٣٨ من طريق العوفي عن ابن عباس قال: "من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبياً"، أي تقلب نوره في أصلاب الأنبياء الساجدين من لدن آدم ونوح وإبراهيم حتى ولده أبواه.
وقال ابن كثير (6/170)مصدر غير محدد٦/١٧٠: "والقول الأول هو الأظهر والأشبه بسياق الآيات، وهو أنه يراه في صلاته حين يقوم منفرداً، وحين يتقلب في صلاة الجماعة راكعاً وساجداً وقائماً وقاعداً في جملة الساجدين؛ لأن السياق كله في الصلاة والعبادة".
ورجح القرطبي وابن جرير والشوكاني والشنقيطي القول الأول لموافقته سياق الصلاة ونظم الآيات، مع الإقرار بفضل نسبه ﷺ وطهارة سلالته بنصوص أخرى صحيحة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{تَقَلُّبَكَ}: التقلب هو التحول من حال إلى حال ومن هيئة إلى هيئة، والمراد تحوله في أركان الصلاة من ركوع وسجود وقيام وقعود، أو تفقد أحوال المصلين وتسوية صفوفهم.
{السَّاجِدِينَ}: جمع ساجد، وعبّر بالسجود عن المصلين لكونه أشرف أحوال الصلاة وأقرب ما يكون العبد فيه من ربه.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَتَقَلُّبَكَ}: الواو عاطفة، {تَقَلُّبَكَ} اسم معطوف على مفعول {يَرَاكَ}، أو منصوب بفعل مضمر تقديره: "ويرى تقلبك"، والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله.
{فِي}: حرف جر للظرفية.
{السَّاجِدِينَ}: اسم مجرور بـ "في" وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور متعلق بالمصدر "تقلبك".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل والتكامل بين صلاة الانفراد وصلاة الجماعة:
في الآية السابقة: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} أشار إلى عبادته وتهجده منفرداً في جوف الليل.
وفي هذه الآية: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} أشار إلى عبادته في جماعة المسلمين وهو يؤمهم ويرعاهم في صلواتهم وتضرعهم.
فاستوعب النظم كمال أحواله التعبدية في الخلوة والجلوة، بين يديه منفرداً ومع عباده ساجداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير القول في دلالة الآية على طهارة النسب النبوي:
محاكمة نقدية بين القولين التفسيريين:
القول بأن المراد تقلب نوره في أصلاب الأنبياء قال به جماعة من السلف وذكره ابن عباس، وطهارة نسبه الشريف ثابتة في صحيح مسلم (رقم 2276)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٧٦: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
لكن حمل الآية على الصلاة والركوع مع الساجدين هو الأولى بسباق النظم ولحاق السياق بعد قوله {حِينَ تَقُومُ}؛ لأن "الساجدين" في لسان القرآن تطلق على المصلين العابدين، وليس كل آبائه كانوا أنبياء مسجلين بالسجود بالمعنى الشرعي الاصطلاحي كآزر وغيره؛ لذا فالسياق صريح في صلاة الجماعة.