روى الطبري (19/352)مصدر غير محدد١٩/٣٥٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما رفع السحرة رؤوسهم من السجدة أو وهم في سجودهم، أعلنوا أمام فرعون وبطانته وجماهير مصر كلمة التوحيد الصادعة المزلزلة: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ أي صدقنا وأقررنا بالخالق العظيم، رب السماوات والأرض وما بينهما، وأفردناه بالألوهية والعبودية، وتبرأنا من عبادة فرعون والأوثان ومن السحر والدجل.
قال ابن كثير (6/146)مصدر غير محدد٦/١٤٦: "هذا اعتراف صريح بالتوحيد ونبذ للشرك؛ نطقوا به على رؤوس الأشهاد في ساحة المشهد العام؛ ليكون إيمانهم حجة على فرعون وقومه، وليبرؤوا من تبعة إضلال الناس بسحرهم السابق".
بين القرطبي (13/114)مصدر غير محدد١٣/١١٤: في قولهم {آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} إبطال لربوبية فرعون المزعومة، وعودة إلى نفس العبارة التي افتتح بها موسى دعوته في الآية (16): {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ فكانت موافقة تامة لمنهاج التوحيد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{آمَنَّا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع "نا"، و"نا" فاعل؛ والإيمان: التصديق الجازم الإذعاني المقتضي للعمل والانقياد.
{بِرَبِّ}: جار ومجرور متعلقان بـ "آمنا"، ورب مضاف.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. والجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التطابق التام مع مطلع الرسالة: السحرة يلتقطون العبارة التأسيسية للسورة ولرسالة موسى ({رَبِّ الْعَالَمِينَ}) ليصدعوا بها؛ ليعلم فرعون أن نفس العبارة التي استهزأ بها في البداية قائلاً: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} قد صارت الآن نشيد الإيمان في حناجر كبار سحرته وأعوانه.
التمهيد للتقييد المانع للبس: أتبعوا قولهم هذا ببيان هوية رب العالمين في الآية التالية: {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}، لسد أي باب للتأويل الفرعوني المغالط.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شجاعة الإعلان العلني للحق ومفاصلة الباطل:
إيمان السحرة لم يكن سراً خافياً ولا تنازلاً باطنياً في القلب خوفاً من بطش فرعون، بل كان إعلاناً جهيراً صادعاً في قلب العاصمة وأمام أجهزة الأمن الفرعونية؛ لأن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب يطرد كل خوف بشري ولا يبالي بسطوة الطواغيت.
الرد على من يزعم أن توبة الساحر لا تصح:
هذه الآية عمدة أهل السنة في أن توبة الساحر مقبولة قطعاً إذا تاب وأخلص لله ونبذ السحر؛ فالله قبل توبة سحرة فرعون وجعلهم من خيرة أوليائه، والتوبة تجب ما قبلها من الشرك والكبائر والسحر.