روى الطبري (19/375)مصدر غير محدد١٩/٣٧٥ عن قتادة: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} أي أن ربي الذي أواليه وأعبده هو الذي أوجدني من العدم وصورني في أحسن تقويم، ثم هو يهديني لدين الحق وسبل الرشاد ويصلح لي شأن معاشي ومعادي.
قال ابن كثير (6/152)مصدر غير محدد٦/١٥٢: "شرع إبراهيم يذكر صفات الرب جل وعلا الذي يستحق العبادة وحده، فقال: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}، أي هو الخالق الذي قدر الهداية إلى مصالح الدنيا والآخرة، كما قال: {الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}".
قال ابن القيم (طريق الهجرتين ص 120): "جمع الخليل في هذه الآية بين أصلين عظيمين هما قوام الوجود والكمال: الخلق وهو الإيجاد، والهداية وهي الإرشاد والإمداد؛ فالرب الحق هو الخالق الهادي، وما سواه عاجز عن الإيجاد وعاجز عن الهداية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب نعت لـ {رَبَّ الْعَالَمِينَ} أو بدل منه، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو الذي).
{خَلَقَنِي}: {خَلَقَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره (هو)، والنون نون الوقاية تقي الفعل من الكسر، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به؛ والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{فَهُوَ}: الفاء عاطفة تفيد السببية والترتيب والتعقيب؛ {هُوَ}: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ (لإفادة القصر والحصر والتوكيد).
{يَهْدِينِ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لرسم المصحف ورعاية الفواصل؛ والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)؛ والنون للوقاية والياء المحذوفة ضمير في محل نصب مفعول به، وأصلها (يهديني)؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {هُوَ}، ومجموع الجملة الاسمية معطوف على جملة الصلة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع بين الخلق والهداية:
لما قرر إبراهيم براءته من الأصنام وبدأ في وصف ربه، قدم أعظم نعمة كونية وجودية وهي نعمة الخلق {خَلَقَنِي}، ثم عطف عليها أعظم نعمة دينية غائية وهي الهداية {فَهُوَ يَهْدِينِ}؛ للدلالة على أن الذي أخرج الإنسان إلى الوجود لا يتركه سدى وهملاً، بل يهديه إلى معرفة خالقه ومصالح حياته وأسرار نجاته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حصر الهداية في الخالق دون غيره:
محاكمة فطرية: كيف يعبد عاقلٌ صنماً لم يخلقه ولا يقدر على إرشاده إلى طريق حسي أو معنوي؟! الخالق وحده هو الذي يملك كتالوج الصنعة ويعلم ما يصلح المخلوق ويهديه إليه؛ فمن أشرك بالخالق فقد طلب الهداية من أعمى فاقد للبصر والبصيرة.
اقتران الفاء والضمير {فَهُوَ}: الفاء تدل على أن الهداية أثر لازم للخلق لا يتخلف عن تدبير الله؛ وضمير الفصل {هُوَ} يفيد الحصر والقصر؛ أي هو وحده لا غيره المتكفل بهدايتي.
حذف الياء في {يَهْدِينِ}: إعجاز لفظي ورسمي لتوافق فواصل الآيات المكية الرنانة، وإشارة إلى سرعة استجابة الهداية الإلهية لقلب الخليل الصادق.
تدبر عموم الهداية: هداية إبراهيم تشمل هداية الفطرة، وهداية العقل، وهداية الوحي والنبوة، وهداية التوفيق والتثبيت، وهداية سلوك طريق الجنة يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الافتقار المستمر إلى هداية الله: لا غنى للمؤمن عن طلب الهداية من ربه في كل نفس وطرفة عين؛ فالذي خلقك هو القادر وحده على تثبيت قلبك على الصراط.
الجمع بين الإيجاد والإرشاد: من مظاهر شكر نعمة الخلق أن يستسلم العبد بالكلية لهداية الشريعة وأوامرها.