روى الطبري (19/380)مصدر غير محدد١٩/٣٨٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} أي واجعل لي ثناءً حسناً وذكراً جميلاً صادقاً يثنى به عليَّ ويدعى لي به في الأمم التي تجيء بعدي من آخر الدهر؛ وقد استجاب الله دعاءه فما من أمة إلا وهي تحبه وتتولاه وتثني عليه وتصلي عليه في كل صلاة.
قال ابن كثير (6/153)مصدر غير محدد٦/١٥٣: "أي واجعل لي ذكراً جميلاً بعدي أُذكر به ويُقتدى بي في الخير؛ كما قال تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}؛ واستجاب الله دعوته فجعل له لسان صدق في جميع أهل الملل، وكلهم يدّعون محبته واتباعه، وأحقهم به أهل الإسلام".
قال السعدي (ص 594)مصدر غير محدد٥٩٤: "لسان الصدق هو الثناء الصادق المستمر، والداعي المقتدى به في الخير؛ وهذا من أعظم نعم الله على عبده أن يجعل له ذكراً يدعو له الناس بسببه ويقتدون بهديه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاجْعَل}: الواو عاطفة، {اجْعَل}: فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره (أنت)، وينصب مفعولين.
{لِّي}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ مقدم لـ {اجْعَل}.
{لِسَانَ}: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. واللسان يطلق في لغة العرب على العضو الحسي وعلى الكلام والذكر واللغة؛ كقوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}.
{صِدْقٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وإضافة اللسان إلى الصدق للتشريف والبيان، أي ثناءً صادقاً لا نفاق فيه ولا مبالغة.
{فِي}: حرف جر.
{الْآخِرِينَ}: اسم مجرور بـ {فِي} وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجار والمجرور متعلق بالفعل {اجْعَل} أو نعت لـ {لِسَانَ صِدْقٍ}؛ والمراد بالأخرين: الأجيال والأمم اللاحقة إلى قيام الساعة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
طلب خلود الأثر وامتداد الدعوة:
لما سأل الخليل الصلاح لنفسه أولاً في الآية السابقة ({هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ})، سأل هنا امتداد نفعه وتعدي بركته إلى الأجيال المتأخرة {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ}؛ ليكون إماماً يُقتدى به ومشعلاً يضيء درب التوحيد لمن بعده، فلا ينقطع عمله بموته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين حب الشهرة المذموم وطلب لسان الصدق:
شبهة: أليس طلب الذكر الحسن منافياً للإخلاص وداخلاً في حب الشهرة والرياء؟
الجواب المحرر عند العلماء:
طلب لسان الصدق ليس طلباً للشهرة الدنيوية أو مدح الناس الباطل، بل هو طلب لبقاء أثر الدعوة والتوحيد واقتداء الناس بالحق من بعده؛ فكل من اهتدى بإبراهيم كان له مثل أجره.
الثناء الصادق من المؤمنين هو عاجل بشرى المؤمن وشهادة أهل الأرض التي توافق شهادة السماء؛ كما جاء في الحديث: "تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ".
أضاف اللسان إلى "الصدق"؛ ليحترز من ثناء المنافقين ومدح الكذابين؛ فالخليل طلب ذكراً بالحق خالصاً لوجه الله.
المجاز المرسل في إطلاق {لِسَانَ}: أطلق آلة النطق (اللسان) وأراد أثره وهو الثناء الحسن والذكر الجميل والقول الصادق؛ وهو من أبلغ المجازات.
إضافة {لِسَانَ} إلى {صِدْقٍ}: دلالة على رسوخ الثناء وبراءته من التكلف والتزوير؛ فالأثر الصادق يبقى خالداً عبر العصور.
تدبر الاستجابة الإلهية: انظر كيف تجتمع أمة الإسلام كلها في مشارق الأرض ومغاربها لتقول في التشهد خمس مرات يومياً: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ"؛ فأي لسان صدق أعظم من هذا؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
بناء الأثر الخالد: ينبغي للمسلم أن يحرص على ترك بصمة خير وصدقة جارية وعلم نافع وسيرة عطرة تلهمه الأجيال من بعده وتترحم عليه بسببه.
استثمار بركة الصدق: الصدق في النية والعمل هو الإكسير الذي يحفظ ذكر الإنسان ويبقي محبته في قلوب الخلق دهوراً متطاولة.