أخرج البخاري في صحيحه (رقم 4701)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٠١ من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سأل أناس رسول الله ﷺ عن الكهان، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ليسوا بشيء»، قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقاً؟ فقال رسول الله ﷺ: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة».
وأخرج البخاري أيضاً (رقم 4800)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٠٠ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله... فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض... فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة».
وقال الطبري (19/418)مصدر غير محدد١٩/٤١٨: "قوله: {يُلْقُونَ السَّمْعَ} يعني الشياطين يستمعون إلى الملأ الأعلى خلسة فيلقون ما سمعوا إلى الكهنة، {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} أي يخلطون مع تلك الكلمة كذباً كثيراً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{يُلْقُونَ السَّمْعَ}: إلقاء السمع فيه معنيان: إما أن الشياطين يستمعون خلسة (يصغون بآذانهم)، وإما أنهم يلقون ما استرقوه من السمع إلى أوليائهم من الكهنة والأفاكين.
{كَاذِبُونَ}: اسم فاعل دال على اتصافهم بالكذب وتعمد الباطل والافتراء.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{يُلْقُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل يعود على الشياطين أو الأفاكين.
{السَّمْعَ}: مفعول به منصوب، والمراد المسموع (أو حاسة السمع بالتوسع). والجملة في محل نصب حال أو مستأنفة.
{وَأَكْثَرُهُمْ}: الواو واو الحال أو عاطفة، {أَكْثَرُهُمْ} مبتدأ مرفوع، والهاء مضاف إليه.
{كَاذِبُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف الآلية الشيطانية في الخداع والتلبيس:
بعد أن بين على من تنزل الشياطين: {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}، فضح هنا طريقتهم وآليتهم: بضاعتهم خطفات سمع مسروقة لا تثبت، يخلطون بها سيلاً عارماً من الأكاذيب ليضلوا بها ضعاف العقول.
وهذا يكمل المشهد الحجاجي في تعرية الكهانة وفصلها الكلي عن مقام النبوة الصادقة المعصومة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
توجيه قوله {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} مع أن الشياطين كلهم كذبة:
إشكال: إذا كانت الشياطين كاذبة، فلماذا قال: {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} ولم يقل: "وكلهم كاذبون"؟
المحاكمة والتحرير:
الضمير في {أَكْثَرُهُمْ} يعود على الكهنة والأفاكين من بني آدم؛ فإنهم قد يصدقون في الكلمة الواحدة التي خطفها الجني ولكن أكثر حديثهم كذب واختلاق كما بين الحديث الشريف: "فيخلطون معها مائة كذبة".
وقيل: يعود على الشياطين، والمراد بأكثريتهم هنا الأغلبية الساحقة في عموم أقوالهم؛ لأنهم لا يصدقون إلا في الكلمة النادرة التي اختلسوها، فكان الكذب هو الغالب القاهر على أحوالهم؛ أو أنهم لا يلقون الكلمة الحقة إلا ليروجوا بها مائة كذبة فيكون الحاصل كذباً مستمراً.
عبّر بالإلقاء للإشعار بالاختلاس السريع والاضطراب والخوف؛ لأن الشيطان لا يتمكن من الجلوس والاستماع المستقر، بل يلقي السمع مسارعة كالمختلس المذعور قبل أن تصيبه الشهب.
تدبر عظمة الفرق: وحي النبوة ينزل به الروح الأمين بتمام الطمأنينة والإحكام على قلب النبي، وخبر الكهانة يختلسه شيطان مذعور مقذوف بالشهب ليلقيه على كذاب أفاك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم الاغترار بالحق الجزئي الذي يمتطيه أهل الباطل:
أعظم أساليب التضليل المعاصر: خلط كلمة واحدة من الحق بتسعة وتسعين باطلاً لترويج السموم والأفكار المنحرفة؛ والمسلم الحصيف يزن الأمور بميزان الوحي الكامل الصافي ولا يغتر بزخرف العبارات المفردة.
التحذير الشديد من تتبع المنجمين وأبراج الحظ والكهان؛ فإن أساس صناعتهم الكذب والخداع.