تأويل وراثة بني إسرائيل لملك مصر والشام في الآثار:
روى الطبري (19/360)مصدر غير محدد١٩/٣٦٠ عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: {كَذَٰلِكَ} أي كما وصفنا لكم من إخراجهم وسلب نعمهم كان الأمر حقاً، {وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}؛ واختلف المفسرون في معنى هذه الوراثة على قولين:
القول الأول (جمهور المفسرين كقتادة وسعيد بن جبير): أن الله رد بني إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وجنده، فورثوا ديارهم، وأموالهم، وجناتهم، وكنوزهم، وحكموا مصر زمناً بعد أن كانوا فيها مستعبدين؛ مصداقاً لقوله تعالى في الأعراف: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا}.
القول الثاني (ابن زيد والحسن): أن الله أورثهم جنس هذه النعم في أرض الشام والأرض المقدسة من الجنات والعيون والملك؛ والمعتمد عند المحققين أنهم ملكوا ملك فرعون في مصر أو استولوا على خزائنها ثم ساروا إلى الشام.
قال ابن كثير (6/149)مصدر غير محدد٦/١٤٩: "أي مثل ذلك الإخراج العجيب أخرجناهم، وأورثنا تلك الديار والأموال والكنوز لبني إسرائيل الذين كانوا يستعبدونهم ويذبحون أبناءهم؛ كما قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}".
قرر القرطبي (13/120)مصدر غير محدد١٣/١٢٠: في الآية أعظم دلالة على نصرة المظلوم وتمكين المستضعف الصابر؛ فالعبد الذليل بالأمس صار هو الوارث الحاكم اليوم بفضل الله ورحمته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَذَٰلِكَ}: الكاف حرف تشبيه وجر، "ذا" اسم إشارة مبني في محل جر، واللام للبعد والكاف للخطاب، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: فعلنا فعلاً كذلك الفعل العجيب.
{وَأَوْرَثْنَاهَا}: الواو عاطفة، أورثنا فعل ماض ينصب مفعولين مبني على السكون، و"نا" فاعل، والهاء مفعول به أول عائد على الجنات والكنوز والنعيم. والإيراث: نقل المال والملك من قوم بادوا إلى آخرين بقوا دون كد ولا قتال.
{بَنِي}: مفعول به ثان لـ "أورثنا" منصوب بالياء ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
{إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التاريخية والاجتماعية العظمى: هذا المشهد يمثل قمة العدالة الإلهية الكونية؛ فالطبقة المستعبدة المقهورة التي كان فرعون يمن عليها بالتربية واللقمة ({أَلَمْ نُرَبِّكَ})، صارت هي الوارثة الشرعية لكل خزائنه وقصوره؛ ليتجلى صدق وعد الله للمستضعفين.
التمهيد لمشهد المطاردة الحاسم: بعد أن طمأن الله المؤمنين ببيان عاقبة الوراثة الحتمية في ختام الأمر، عاد السياق ليفصل اللحظات العصيبة للمطاردة عند البحر في الآية (60): {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سنة الاستخلاف والوراثة للمستضعفين:
تقرر الآية قانوناً كونياً واجتماعياً مضطرداً: الاستبداد والظلم المفرط يحمل في أحشائه بذور فنائه؛ وأن عاقبة الاستكبار هي الزوال وتسليم التركة لمن كان يُسام الخسف والاضطهاد.
لا تعارض بين هذه الآية وبين مسيرهم إلى التيه والأرض المقدسة؛ فالوراثة قد تكون حيازتهم لثروات مصر وكنوزها وأموالها التي غنموها، أو حكمهم لها عبر مراحل تاريخية لاحقة، أو تمكينهم العام في الأرض.
التعبير بـ {أَوْرَثْنَاهَا}: استعارة لطيفة تفيد سهولة انتقال الملك إليهم كالتركة والميراث الذي يناله الوارث دون عناء حرب ولا حصار للمدن؛ لأن الله كفاهم قتال فرعون بإغراقه في البحر.
كلمة {كَذَٰلِكَ}: فاصلة بيانية مقتضبة تفيد تقرير الحقيقة واستقرارها كأنها أمر مفروغ منه في سجلات القضاء الإلهي.
تدبر لطف الله بالمظلومين: كيف يدبر الله الأمر من فوق سبع سماوات ليقتص للرضع المذبوحين، وينزع تيجان الفراعنة ليلبسها للمشردين الصابرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة بوعد الله للمستضعفين الصابرين: ألا ييأس المسلمون في أوقات الهزائم والاستضعاف والاحتلال؛ فوعد الله بتمكين أهل الحق ووراثة الأرض ماضٍ لا يتخلف.
اقتران التمكين بالصبر والاستقامة: أن يعلم المظلوم أن نصر الله لا يتنزل بالأماني بل بالصبر على البلاء والتمسك بحبل التوحيد والشرع.
الحذر من الوقوع في ظلم الفراعنة بعد التمكين: تذكير من آتاه الله الملك والمال بأن يشكر نعمة الله وألا يتحول إلى فرعون جديد؛ فإن سنة الإهلاك والاستبدال لا تحابي أحداً.