روى الطبري (19/440)مصدر غير محدد١٩/٤٤٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} قالوا: ما دفع عنهم ولا نفعهم ولا رد عنهم عذاب الله شيئاً ذلك المتاع الطويل الذي تمتعوا به في دار الدنيا من الصحة والمال والجاه واللذات؛ بل ذهبت اللذات كلها وبقيت الحسرات والتبعات؛ و(ما) الأولى إما نافية أو استفهامية بمعنى التوبيخ والإنكار (أي أي شيء أغنى عنهم؟!).
قال ابن كثير (6/166)مصدر غير محدد٦/١٦٦: "أي لم يغنِ عنهم ذلك النعيم الدنيوي شيئاً حين حل بهم بأس الله وعقابه؛ وذهب نعيمهم كأنه لم يكن؛ كما كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يتمثل بهذه الآيات الثلاث ويبكي طويلاً ويقول:
إذا قَرَّتْ عُيونُ ذَوِي التَّصابي ... بِعاجِلِ هَذِهِ الدُّنْيا الفَنِيَّةْ
فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُ أُولِي التَّقاصِي ... بِما يَرْجُونَ مِنْ تِلْكَ النَّدِيَّةْ
أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ * ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ".
قال القرطبي (13/132)مصدر غير محدد١٣/١٣٢: "هذا جواب الاستفهام في قوله: {أَفَرَأَيْتَ}؛ أي أخبرني هل ينفعهم ذلك المتاع؟ والجواب: ما أغنى عنهم نقيراً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَا}: حرف نفي مبني على السكون (أو اسم استفهام في محل نصب مفعول به مقدم لأغنى يفيد النفي التام والتقريع).
{أَغْنَىٰ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف.
{عَنْهُم}: جار ومجرور متعلق بالفعل {أَغْنَىٰ}.
{مَّا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل للفعل {أَغْنَىٰ} (أو مصدرية والمصدر المؤول فاعل أي: ما أغنى عنهم تمتيعهم).
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{يُمَتَّعُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل؛ والجملة خبر {كَانُوا}، وصلة الموصول لا محل لها من الإعراب؛ ومجموع الجملة جواب الاستفهام السابق أو استئناف بياني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النتيجة المحتومة لمعادلة الخسارة الكبرى:
ختام الآيات الثلاث بحسم المسألة حسماً قاطعاً: {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}؛ ليتلاشى كل تفاخر بالدنيا وكل مباهاة بالأموال والأعمار، وتظهر الحقيقة العارية: أن كل نعيم لا يثمر نجاة في الآخرة فهو سراب وخسار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإفلاس المطلق للنعيم المنقطع أمام العذاب الدائم:
محاكمة حسابية ومنطقية: المتاع له بداية ونهاية، وكل ما له نهاية فهو قليل وزائل؛ أما العذاب فخالد لا ينقطع؛ وأي قدر محدود إذا قيس بالخلود غير المحدود صارت قيمته الرياضية والواقعية صفراً مطلقاً! فكيف يضحي عاقل بنعيم الأبد من أجل "صفر" مادي زائل؟!
تكرار {مَا}: الأولى نافية تقريعية، والثانية موصولية شمولية؛ لإفادة سلب النفع عن كل ذرة تمتيع خلت من الإيمان.
بناء الفعل للمجهول {يُمَتَّعُونَ}: إشعار بأنهم كانوا مسيرين مقهورين ممتعاً بهم لحكمة الاستدراج، دون أن يملكوا زمام البقاء لأنفسهم.
تدبر بكاء الصالحين عند هذه الآية: كانت هذه الآية تهز قلوب أئمة السلف والزهاد؛ لأنها تقطع شجرة الطمع في الدنيا من جذورها وتعيد موازين الوعي إلى حقيقتها الأبدية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلوب من أسر الاستهلاك والترف: متى علم المؤمن أن المتاع لا يغني عن صاحبه شيئاً أمام عذاب الله، طهر قلبه من التكالب على جمع الأموال بغير حقها.
تقديم الباقية على الفانية: كل نعيم يمر بك في هذه الدار، فاجعله خادماً لآخرتك ومسخراً في مرضاة ربك قبل أن تنادي بندامة: {مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}.