روى الطبري (19/324)مصدر غير محدد١٩/٣٢٤ عن قتادة ومجاهد: {قَوْمَ فِرْعَوْنَ} تفسير وبيان لقوله: {الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، أي ائت فرعون وملأه من القبط؛ {أَلَا يَتَّقُونَ} أي ألا يخافون عقاب الله ونقمته وبطشه فيتركوا عبادة ما سواه ويسلموا بني إسرائيل؟!
قال ابن كثير (6/137)مصدر غير محدد٦/١٣٧: "فسر القوم الظالمين بأنهم قوم فرعون، واستفهم استفهاماً يراد به الحث والتوبيخ: {أَلَا يَتَّقُونَ}؛ أي ألا يخافون الله في بطشهم واستعلائهم وشركهم؟!".
بين القرطبي (13/94)مصدر غير محدد١٣/٩٤: المعنى: قل لهم ألا تتقون، أو هو كلام صادر من الله تعالى لموسى على وجه التعجيب من جرأتهم وعتوهم وانعدام مخافة الله في قلوبهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَوْمَ}: بدل من "القوم" الأولى أو عطف بيان منصوب بالفتحة، وقوم مضاف؛ وقيل: منادى بحذف حرف النداء، أو مفعول به لفعل محذوف تقديره ائت قوم فرعون.
{فِرْعَوْنَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة؛ وفرعون لقب لكل من ملك مصر من العمالقة أو الفراعنة، والمراد به هنا فرعون موسى المعاصر له.
{أَلَا}: أداة تحضيض وتنبيه واستفتاح، مركبة من همزة الاستفهام ولا النافية، تفيد الحث والعرض والتوبيخ.
{يَتَّقُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ وجملة التقوى في محل نصب مقول قول مقدر (قل لهم: ألا تتقون بضمير الغيبة التفاتاً)، أو استئناف للتوبيخ والتعجيب من حالهم. والتقوى: اتخاذ وقاية تحمي العبد من سخط الله وعذابه بطاعته وترك معصيته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البيان بعد الإجمال: جاء ذكر {قَوْمَ فِرْعَوْنَ} بدلاً مبيناً ومفصلاً لـ {الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}؛ ليركز الذهن على الشخصية الرمزية الأعتى للظلم في التاريخ القديم.
استخدام صيغة الاستحثاث الإشفاقي {أَلَا يَتَّقُونَ}: تعبير يجمع بين التنديد بقسوتهم ودعوتهم إلى مراجعة أنفسهم؛ فالدعوة تبدأ باستثارة بقايا الفطرة الكامنة في الضمير: أين ذهب خوفكم من عذاب الله؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمولية المسؤولية والتبعية المجتمعية في الاستبداد:
لم يقل "ائت فرعون" وحده، بل قال: {قَوْمَ فِرْعَوْنَ}؛ لأن الطاغية لا يستبد بمفرده، وإنما يستمد سلطانه وبطشه من الملأ والأعوان والشعب الذي استخفهم فأطاعوه، كما قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}؛ فالأعوان شركاء في الظلم ومسؤولون عن بقاء عروش الطغيان.
إمكانية التوبة حتى لأعتى الظلمة:
مخاطبتهم بـ {أَلَا يَتَّقُونَ} تدل على أن باب التوبة والرجوع إلى الله مفتوح لكل إنسان ما دام في دار التكليف، وأن مهمة الأنبياء هي محاولة استنقاذ حتى الطغاة من نار جهنم قبل إهلاكهم.
الإبدال لبيان العلة: إبدال {قَوْمَ فِرْعَوْنَ} من {الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} يفيد أن علة الأمر بإتيانهم هي ممارستهم للظلم، وأن الظلم هو الصبغة اللصيقة بنظام فرعون.
أسلوب الاستفهام الحاث في {أَلَا يَتَّقُونَ}: خروج الاستفهام عن معناه الأصلي إلى التوبيخ وإظهار العجب من استمرارهم في غيهم برغم عجزهم أمام قدرة الله.
تدبر غياب التقوى: إذا خلت القلوب من تقوى الله ومراقبته تحول الحكام إلى فراعنة، وتحول القضاة إلى ظلمة، وتحولت المجتمعات إلى غابات يأكل قويها ضعيفها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه النصيحة بأسلوب الموعظة والتذكير بالتقوى: استخدام الدعوة إلى التقوى كمدخل لإصلاح النفوس القاسية، وتذكير العباد بوقوفهم بين يدي الله العظيم.
الحذر من الركون إلى الظالمين ومعاونتهم: تجنب المشاركة في تبرير استبداد الطغاة أو خدمة أجهزتهم القمعية، لئلا يحشر العبد في زمرة {قَوْمَ فِرْعَوْنَ}.
استشعار هيبة الله فوق كل جبار: أن يعلم المؤمن أن كل فرعون في الأرض صغير حقير أمام عظمة الله، وأن التقوى هي الحصن الوحيد من عذاب المنتقم الجبار.