روى الطبري (19/372)مصدر غير محدد١٩/٣٧٢ عن مجاهد وقتادة: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} أي قال إبراهيم ملزماً إياهم بفساد معتقدهم: هل هذه الأصنام تسمع دعاءكم واستغاثتكم وتضرعكم إليها حين تطلبون منها الحاجات وتلجأون إليها في الشدائد؟
قال ابن كثير (6/151)مصدر غير محدد٦/١٥١: "أي: هل تجيبكم إذا دعوتموها؟ وهذا استفهام يتضمن النفي القاطع والتقرير بعجزها؛ لأن الإله الحق سميع بصير، يسمع خفي الدعاء ونجوى الصدور، وأما هذه الحجارة ففاقدة لأصل حاسة السمع".
قال السعدي (ص 593)مصدر غير محدد٥٩٣: "أي هل يحصل لكم منهم أي نفع بسماع دعائكم حين تدعونهم؟ والجواب القطعي الذي لا يمترون فيه: لا يسمعون، فكيف يُعبد من لا يسمع؟!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره (هو) عائد على إبراهيم.
{هَلْ}: حرف استفهام مبني على السكون لا محل له من الإعراب، والمراد به التقرير المشوب بالإنكار والتبكيت.
{يَسْمَعُونَكُمْ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل (وعوملت الأصنام معاملة العقلاء مجاراةً لزعم الخصم وإلزاماً له)، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم علامة الجمع.
{إِذْ}: ظرف لما مضى أو مستقبل من الزمان خافض لشرطه متعلق بالفعل {يَسْمَعُونَكُمْ}.
{تَدْعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والجملة في محل جر بالإضافة لـ {إِذْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البدء بصفة السمع:
رتب إبراهيم حجته ترتيباً منطقياً معجزاً؛ فبدأ بصفة السمع {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ}؛ لأن العابد أول ما يقصد بمعبوده أن يبث إليه شكواه ودعاءه، فإذا كان المعبود أصم لا يسمع النداء، فقد سقطت أول وألزم أدوات التواصل بين العابد والمعبود، وبطلت عبادته عقلاً وفطرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استخدام ضمير العقلاء للأصنام {يَسْمَعُونَكُمْ}:
إشكال: كيف قال إبراهيم {يَسْمَعُونَكُمْ} بالواو وهي أصنام جماد حقها أن يقال: "هل تسمعكم"؟
الجواب: هذا من باب المشاكلة ومجاراة الخصم في دعواه لتبكيته؛ فهم أنزلوها منزلة العقلاء بتعظيمهم وسجودهم وعكوفهم ودعائهم لها، فخاطبهم إبراهيم بمقتضى زعمهم ليقول: إن كنتم تدعون أنها آلهة عاقلة قادرة، فاختبروا عقولها وحواسها: هل تسمع حين تدعون؟! فلما ثبت عجزها عن السمع ظهر شناعة إضفاء العقل والألوهية عليها.
الاستدراج الحواري الرصين: إبراهيم لم يقل لهم: "إنها صماء لا تسمع"، بل سألهم: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ}؛ ليدع لهم فرصة المراجعة الذاتية، فالاعتراف الصادر من العقل الباطن أشد وقعاً من التلقين الخارجي.
تخصيص وقت الدعاء {إِذْ تَدْعُونَ}: لأن أظهر أحوال الحاجة والافتقار إلى الإله هو وقت الدعاء؛ فإن لم يسمع حينئذٍ فمتى يسمع؟!
تدبر كمال الله تعالى: نفي السمع عن الأصنام يفيض في قلب المؤمن تعظيماً لله السميع المجيب الذي يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه الأسئلة المحرجة للباطل: من أساليب الدعوة المؤثرة توجيه السؤال الذي يعلم المبطل في قرارة نفسه أن إجابته تفضح مذهبه وتكشف زيفه.
تعلق القلب بالسميع الحي: كيف يلتفت العبد إلى غير الله بالدعاء والرجاء، وكل ما سوى الله عاجز عن سماع النجوى؟!