أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (8/2756)مصدر غير محدد٨/٢٧٥٦ عن السدي في قوله تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}: يعني فإن عصاك الأقربون ممن أنذرتهم وأبوا إلا التكذيب والشرك، فتبرأ من شركهم وأعمالهم الخبيثة ولا تحابهم لقرابتهم.
وقال الطبري (19/414)مصدر غير محدد١٩/٤١٤: "يقول تعالى ذكره: فإن خالفك يا محمد من أنذرت من عشيرتك الأقربين، وأبوا إلا الإقامة على عبادة الأوثان، فقل لهم: إني بريء من عبادة الأصنام التي تعبدونها ومن كل ما تعملون مما يسخط الله".
وقرر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (19/205)التحرير والتنويرابن عاشور١٩/٢٠٥: أن البراءة عُلقت بالعمل لا بالذات ابتداءً، للدلالة على أن المقت والبغض إنما توجه إلى الكفر والفسوق، فإذا زال العمل زالت البراءة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{عَصَوْكَ}: العصيان هو الخروج عن الطاعة والتمرد على أمر المنذر والداعية.
{بَرِيءٌ}: صفة مشبهة تدل على الثبوت والقطع، والبراءة هي الانفصال التام والمباينة من الشيء وخلوص الذمة منه.
{تَعْمَلُونَ}: مضارع يفيد الاستمرار والتجدد في أعمالهم الشركية والمنكرة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{فَإِنْ}: الفاء عاطفة تفريعية، "إن" حرف شرط جازم.
{عَصَوْكَ}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل، والكاف مفعول به.
{فَقُلْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، {قُلْ} فعل أمر مبني على السكون، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{إِنِّي}: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها.
{بَرِيءٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة مقول القول.
{مِّمَّا}: من حرف جر، "ما" مصدرية أو موصولة.
{تَعْمَلُونَ}: صلة "ما"، والمجرور متعلق بـ {بَرِيءٌ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وهذا تقسيم بديع يحدد قواعد الولاء والبراء بيقين لا لبس فيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البراءة من العمل وأثرها في المفاصلة العقدية:
محاكمة عقدية: كيف التوفيق بين بر الوالدين وصلة الرحم وبين البراءة من العصيان؟
الجواب: البراءة العقدية واجبة من الكفر والفسوق {بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}، وهذا لا يمنع من بذل الإحسان الدنيوي وصلة الرحم بالمعروف لدعوتهم وهدايتهم، لكن دون أدنى مداهنة في الدين أو إقرار للباطل. فالقرابة لا تعلو على العقيدة أبداً.
لم يقل: "إني بريء منكم" تلطفاً واستبقاءً لشعرة الأمل في توبتهم وإسلامهم، بل وجه البراءة إلى "عملهم" القبيح؛ مما يعطي فرصة للعاصي لكي يراجع نفسه ويعلم أن المذموم هو فعله لا ذاته الإنسانية، فإذا تاب قُبل.