صرخة الفزع واليأس البشري عند تراءي الجمعين في الآثار:
روى الطبري (19/361)مصدر غير محدد١٩/٣٦١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما قرب فرعون بجنوده، ورأى كل فريق صاحبه عياناً لا سترة بينهما؛ فرأى بنو إسرائيل فرعون وجنوده يملؤون الأفق بالخيول والحديد والرايات وراءهم، ونظروا أمامهم فإذا البحر يلتطم بأمواجه؛ ففزع بنو إسرائيل وصرخوا في وجه موسى يائسين مذعورين: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}؛ أي قد أدركنا فرعون وجنده ولحقوا بنا، ولا طاقة لنا بهم؛ البحر أمامنا إن خضناه غرقنا، والعدو خلفنا إن وقفنا ذبحنا وقتلنا واسترق نساءنا! فأين المفر يا موسى؟!
قال ابن كثير (6/149)مصدر غير محدد٦/١٤٩: "تراءى الجمعان: أي رأى كل من الفريقين الآخر بالبصر؛ وحينئذ قال أصحاب موسى عليه السلام قولة اليائس من الأسباب الأرضية: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}؛ لأن الحسابات المادية الملموسة لا تدع مجالاً للنجاة؛ البحر أمامهم لا خوض فيه، والعدو خلفهم لا طاقة لهم به؛ فضج القوم خوفاً وهلعاً".
بين القرطبي (13/121)مصدر غير محدد١٣/١٢١: {تَرَاءَى} تفاعل من الرؤية؛ أي رأى كل واحد منهما صاحبه مواجهة؛ وأصحاب موسى قالوا ذلك بمقتضى الضعف البشري والتعلق بالأسباب الظاهرة، فكان ردهم صرخة طبيعية لمن يحاصره الموت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَرَاءَى}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر؛ وتفاعل تفيد المشاركة في الرؤية بين الطرفين.
{الْجَمْعَانِ}: فاعل تراءى مرفوع بالألف لأنه مثنى؛ والجمعان: جمع بني إسرائيل وجمع فرعون وجنده، وجملة تراءى الجمعان في محل جر بالإضافة لـ "لما".
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، وهو جواب شرط لما.
{أَصْحَابُ}: فاعل مرفوع بالضمة وهو مضاف؛ جمع صاحب.
{مُوسَىٰ}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة للتعذر ممنوع من الصرف.
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و"نا" اسمها في محل نصب.
{لَمُدْرَكُونَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، مدركون خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ اسم مفعول من أدرك يدرك إدراكاً، والمدرَك هو الذي يلحقه طالبه ويقبض عليه ويتمكن منه. والجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الذروة الدرامية المذهلة للمشهد: وصل السياق إلى أقصى درجات الشد والتوتر النفسي؛ انقطعت كل الحيل المادية، وارتفعت صرخات الرعب والشكوى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}.
التمهيد لرد اليقين النبوي الخالد: هذا الفزع المطلق من أصحاب موسى مهد للكلمة الإيمانية الأعظم في تاريخ الرسل في الآية التالية: {قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}؛ ليبرز التباين الهائل بين نظرة البشر المادية ونظرة الأنبياء الموصولة بالسماء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين المنطق الحسابي والمنطق الإيماني:
عذر أصحاب موسى من الناحية المنطقية البشرية؛ فكلامهم {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} كان توصيفاً واقعياً دقيقاً بحسابات المادة؛ فالأسباب منقطعة والموت محيط؛ ولكن خطأهم كان في نسيان معية الله وقدرته التي لا تحدها الأسباب.
الإيمان الحقيقي لا ينكر الأسباب، ولكنه لا يستسلم لها إذا تعارضت مع وعد الله؛ لأن مسبب الأسباب قادر على خلق مسار نجاة جديد لم يخطر على قلب بشر.
صيغة التفاعل في {تَرَاءَى}: تبرز دقة الموقف وحرارته؛ حيث تلاقت الأعين بالعين، وصارت المسافة بين الجيشين تقاس بالخطوات والأمتار.
التوكيدات الثلاثة في صرخة بني إسرائيل: {إِنَّا}، واللام {لَمُدْرَكُونَ}، والجملة الاسمية؛ لبيان بلوغ اليأس واليقين بالهلاك منتهاه في قلوبهم.
تدبر امتحان اليقين: الله يبتلي أولياءه ويضيق عليهم الخناق حتى تبلغ القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، لكي يمحص الإيمان ويظهر عظمة النصر الإلهي الخالص الذي لا يد لأحد فيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر على اضطراب الأتباع في المحن: أن يتسع صدر القائد والداعية لصرخات الخوف والشكوى التي تصدر من أتباعه وجماهيره عند اشتداد الكرب، ولا يعنفهم بل يثبتهم برباطة جأشه وإيمانه.
التفريق بين رؤية العين ورؤية البصيرة: ألا يجعل المسلم نظره مقصوراً على ما تراه عينه من موازين القوى المادية الزائلة، بل ينظر بنور الإيمان إلى قدرة الله القاهر فوق عباده.
عدم الاستسلام لليأس والانهزام النفسي: استحضار معية الله في أحلك الظلمات؛ فكلما أطبقت الأزمات كان الفرج أقرب ما يكون.