روى الطبري (19/329)مصدر غير محدد١٩/٣٢٩ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي أطلق سراحهم من قبضة استعبادك وقهرك، وخلّ سبيلهم ليخرجوا معنا إلى أرض الشام والأرض المقدسة حيث كان آباؤهم، ولا تعذبهم ولا تكلفهم ما لا يطيقون من الأعمال الشاقة وصناعة الطوب وبناء المدن لفرعون.
قال ابن كثير (6/139)مصدر غير محدد٦/١٣٩: "هذا هو المطلب التشريعي والعملي لرسالة موسى بعد التوحيد؛ تحرير شعب بني إسرائيل من نير العبودية والاضطهاد الفرعوني؛ كما قال تعالى في طه: {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ}".
قرر القرطبي (13/98)مصدر غير محدد١٣/٩٨: كان بنو إسرائيل في مصر تحت وطأة استرقاق ظالم من الأقباط، يسخرونهم في أقسى المهن ويمتهنون كرامتهم؛ فكان طلب موسى تحريراً تاماً للإنسان، وربطاً بين حرية العبادة وحرية الجسد والوطن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَنْ}: مفسرة لمعنى الرسالة أو القول لأن فيه معنى القول دون حروفه، أو مصدرية بتقدير حرف الجر المحذوف (بأن أرسل)، والمصدر المؤول بدل من رسول أو مفعول لأجله.
{أَرْسِلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت (موجهاً لفرعون). والإرسال: الإطلاق والتخلية من الإسار، وضده الإمساك والقيد.
{مَعَنَا}: مع ظرف مكان منصوب متعلق بـ "أرسل"، و"نا" مضاف إليه.
{بَنِي}: مفعول به منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وبني مضاف.
{إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة؛ وإسرائيل هو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وبنوه هم قبائل الأسباط الاثني عشر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من العقيدة إلى الشريعة والحقوق: بعد أن أعلنا المبدأ العقدي الأكبر في الآية السابقة: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، جاء هذا المطلب العملي المباشر: {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}؛ ليؤكد أن الإيمان يترجم عملياً إلى مناهضة الظلم واسترداد الحقوق المسلوبة.
الإيجاز الحاسم: لم يدخل موسى وهارون في مساومات ولا تفاصيل فرعية، بل طرحا مطلباً واضحاً محدداً غير قابل للتسويف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط العضوي بين رسالة التوحيد والتحرر الإنساني:
تبين الآية بطلان النظرة العلمانية التي تزعم أن الأديان "أفيون الشعوب" وتدعو للاستسلام للظلم؛ فرسالة موسى قامت أساساً على ثورة تحررية لفك قيود أمة مستعبدة من قبضة أعتى إمبراطورية استبدادية.
لا يمكن للإنسان أن يعبد الله بكامل حريته واختياره وهو يرسف في أغلال الاستعباد والقهر الجسدي والفكري لطواغيت الأرض.
كرامة الإنسان وحرمة استرقاق الأحرار:
شريعة الله تحرم استعباد البشر ظلماً وقهراً؛ وبنو إسرائيل كانوا أحراراً أبناء أنبياء، فجاءت الرسالة الإلهية لترد الحق إلى نصابه وتمنع تسخير الإنسان لأخيه الإنسان بغير حق.
التعبير بـ {أَرْسِلْ مَعَنَا}: أدب الخطاب والطلب الحاسم؛ فلم يقلا "تنازل عنهم" أو "أعطنا إياهم"، بل استعملا لفظ الإرسال الدال على التخلية والإطلاق ورفع اليد الآثمة عنهم.
التذكير بنسبهم الشريف {بَنِي إِسْرَائِيلَ}: إشعار لفرعون بأن هؤلاء ليسوا عبيداً ورثهم عن آبائه، بل هم أبناء نبي كريم من أقدس سلالات الأرض، فلا يليق امتهانهم.
تدبر شمولية الإسلام: الدين لم يأتِ لضبط الصلاة والصيام فقط، بل جاء لإصلاح سياسة الدنيا، وحماية الضعفاء، ومحاكمة الظالمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تبني قضايا المستضعفين والمظلومين: واجب الدعاة والمؤسسات الإسلامية أن يكونوا صوت المظلومين واللاجئين والمضطهدين في كل مكان، والمطالبة بفكاك أسرهم.
الشجاعة في المطالبة بالحقوق: عدم التنازل عن الحقوق المشروعة أو القبول بالدنية تحت وطأة التهديد والابتزاز.
إدراك مركزية الحرية في الإسلام: غرس قيمة الحرية والكرامة الإنسانية في النفوس؛ لأنها التربة الخصبة لنمو الإيمان والاستخلاف الراشد.