استكبار الملأ واحتقار أتباع نوح من الفقراء والمستضعفين:
روى الطبري (19/396)مصدر غير محدد١٩/٣٩٦ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} قالوا: قال أشراف قوم نوح وكبراؤهم مستكبرين: أنصدقك ونتبع دينك ونجلس معك، وإنما اتبعك سَفَلَتُنا وضعفاؤنا وفقراؤنا وأهل المهن والصنائع الخسيسة كالحاكة والأساكفة؟! ونحن أهل الشرف والمال والجاه، فلا نجتمع مع هؤلاء في دين واحد!
قال ابن كثير (6/156)مصدر غير محدد٦/١٥٦: "أي لا نتبعك ونحن سادات القوم، وهؤلاء الذين اتبعوك هم الأراذل منا، أي السفلة والحثالة والفقراء؛ كما قالوا في سورة هود: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ}".
قال القرطبي (13/111)مصدر غير محدد١٣/١١١: "الأرذلون: جمع أرذل، وهو الأخس والأدنى في المنزلة الدنيوية؛ فقاسوا الشرف بالمال والصنائع وغفلوا عن شرف النفوس بالإيمان والتقوى".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاتَّبَعَكَ}: الواو واو الحال؛ {اتَّبَعَكَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم.
{الْأَرْذَلُونَ}: فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم؛ وهو جمع (أرذل) اسم تفضيل من الرذالة وهي الخسة وسقوط المنزلة؛ وجملة {وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} في محل نصب حال من الضمير في {لَكَ} أو من فاعل {نُؤْمِنُ}، ومجموع الكلام مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف العلة الحقيقية لرفض المستكبرين:
لما حاصرهم نوح بالبراهين العقلية (الرسالة، الأمانة، التجرد)، وأعجزهم عن نقض أدلته، لجأوا إلى الاعتراض الطبقي والاستعلاء الاجتماعي: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ}؛ فتبين أن الذي يمنعهم ليس غموض الحق بل الكبر وحب التفوق الدنيوي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتكاس الموازين عند أهل الدنيا:
محاكمة عقلية إيمانية: من هو "الأرذل" حقاً؟!
أهل الجاهلية يزنون الإنسان بجيبه ومهنته ونسبه؛ فمن كان فقيراً أو عاملاً كادحاً فهو عندهم "أرذل"! أما ميزان الخالق والعدل والعقل فيقرر أن الشرف بالحكمة والتقوى والقلب السليم ({إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ})؛ فالذي عبد الله ووحده هو الشريف الرفيع، والذي سجد للأحجار وباع عقله للموروث هو الأرذل الخسيس ولو ملك كنوز الأرض.
سنة أتباع الرسل: سأل هرقلُ أبا سفيان عن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم: "أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟" فقال: "بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ"، فقال هرقل: "هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ" (رواه البخاري 7).
الاستفهام الإنكاري {أَنُؤْمِنُ}: يفيد اشمئزاز نفوسهم المترفة من مجرد فكرة المساواة مع الفقراء في المسجد والعبادة.
الواو الحالية {وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ}: إظهار للمانع بزعمهم؛ أي كيف تطلب منا الإيمان في حال تلبسك باتباع السفلة؟!
صيغة التفضيل {الْأَرْذَلُونَ}: مبالغة في احتقار الضعفاء والتأكيد على بعدهم عن طبقة السادة.
تدبر شرف الضعفاء: هؤلاء الذين سماهم الملأ أراذل، هم صفوة خلق الله في زمانهم وحملة لواء التوحيد في الفلك مع نوح، فخلدت السورة ذكرهم وأهلكت المتكبرين بالطوفان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة الطبقية والعنصرية: الإسلام دين المساواة والعدالة؛ فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لغني على فقير إلا بالتقوى والعمل الصالح.
نصرة المستضعفين والاحتفاء بهم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس مع بلال وعمار وسلمان وصهيب، ويعاتب الله نبيه إن انشغل عن أحدهم بوجهاء المشركين؛ فأهل الإيمان هم رأس مال الأمة الحقيقي.