معنى الحذر والاستعداد الحربي لفرعون وجيشه في الآثار:
روى الطبري (19/358)مصدر غير محدد١٩/٣٥٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} أي وإنا لقوم ذوو حيطة ويقظة واستعداد وحذر، لا نغفل عن عدونا، ولا نأمن مكرهم وغائلتهم وسلاحهم؛ وقيل: حذرون أي مؤدون في السلاح والعدة متأهبون للقتال؛ وقيل: خائفون مشفقون من شرهم وغدرهم.
قال ابن كثير (6/149)مصدر غير محدد٦/١٤٩: "أي نحن متيقظون مستعدون، لا نترك الحزم في أمرهم؛ وفرعون أراد بذلك تبرير استنفاره العسكري التام، لكي لا يقال: كيف خرج الملك بكل جيشه لقتال شرذمة؟! فقال: هذا من باب الحزم العسكري واليقظة السياسية التي تقتضيها سلامة الدولة".
القراءات في {حَاذِرُونَ}: قرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: {حَاذِرُونَ} بالألف اسم فاعل من حَذِرَ؛ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {حَذِرُونَ} بغير ألف بوزن فَعِل، وهي صفة مشبهة؛ وقرأ ابن مسعود: {حَادِرُونَ} بالدال المهملة (أي أقوياء ممتلئون سلاحاً وشجاعة)؛ والمعنى في القراءتين المتواترتين: حاذرون أي متأهبون حذرون مستعدون بالفعل، وحَذِرون أي تلك سجيتهم وطبيعتهم وهي التيقظ المستمر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِنَّا}: الواو عاطفة، إن حرف توكيد ونصب، و"نا" ضمير متصل اسمها في محل نصب.
{لَجَمِيعٌ}: اللام المزحلقة للتوكيد، جميع خبر إن أول مرفوع بالضمة؛ وجميع اسم يفيد الشمول والتضامن والتماسك الجماعي.
{حَاذِرُونَ}: خبر ثان لـ "إن" مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم (أو نعت لجميع)؛ اسم فاعل من حذر يحذر حذراً، والحذر: التيقظ والتأهب لدفع الخطر المتوقع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تبرير الاستنفار العسكري بضرورات الأمن القومي والحذر: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} (الآية 56).
التمهيد لبيان مكر الله المعاكس: بعد أن أتم فرعون خطابه التعبوي الماكر وظن أنه أحكم خطته، جاء التعقيب الإلهي الصاعق في الآيات التالية ليثبت أن هذا الخروج الحذر كان استدراجاً لنزع ملكهم وإغراقهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الحذر البشري لا يدفع القدر الإلهي:
محاكمة عقلية وإيمانية عميقة؛ يعلن فرعون بملء فيه: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}، متسلحين بأقصى درجات الحيطة والاستخبارات واليقظة، ومع ذلك أتاهم الهلاك من مأمنهم، وغرقوا في البحر الذي لم يخطر ببال حذرهم أن ينفلق لموسى ويطبق عليهم!
الحذر مطلوب في الأسباب المشروعة، لكنه يقف مشلولاً عاجزاً إذا نزل القضاء والقدر الإلهي: {وَلَا يُغْنِي حَذَرٌ مِّن قَدَرٍ}.
التظاهر بالقوة لإخفاء الرعب الداخلي:
إصرار فرعون على وصف جيشه بـ {لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} محاولة بائسة لبث الثقة في نفوس جند يملأ قلوبهم الرعب الباطن من آيات موسى وعصاه التي ابتلعت سحر كبار سحرتهم بالأمس.
توكيدات التماسك بـ {لَجَمِيعٌ}: إبراز لاصطفاف جبهة الباطل وتكاتفها في مواجهة دعوة التوحيد.
التعبير بـ {حَاذِرُونَ}: إشعار السامع بتوتر الأعصاب وحالة التأهب القصوى التي عاشها جيش فرعون؛ فلم يخرجوا في نزهة بل خرجوا متوجسين وجلين.
تدبر سخرية الأقدار بالجبابرة: يخرجون حذرين مدججين بالسلاح لإبادة الضعفاء، فإذا بالبحر المائي الهادئ يكون هو مقبرتهم ومشنقتهم التي لم يحذروا منها قط.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأخذ بالحذر والحيطة في مواجهة مكر الأعداء: امتثال أمر الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ}؛ فالتيقظ والأخذ بأسباب الحماية من صفات المؤمنين الواعين.
اليقين بأن كيد الأعداء محكوم بمشيئة الله: ألا يخاف المسلم من تخطيط الخصوم وحذرهم وتقنياتهم الاستخباراتية المتطورة؛ فالله مطلع على خفاياهم ومبطل لكيدهم.
التوكل المطلق على الله وحده: استشعار أن الأمان الحقيقي هو في كنف الله ورعايته، لا في كثرة العتاد وجيوش الحراسة.