روى الطبري (19/326)مصدر غير محدد١٩/٣٢٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ} أي عندهم تبعة وجناية يدعونها علي ويطالبونني بدمها، وهو قتله لذلك القبطي الكافر الفاجر الذي استغاثه عليه الإسرائيلي، فوكزه موسى فقضى عليه خطأً ولم يرد قتله، فصار ذلك ذنباً في زعم فرعون وقومه يستوجب القصاص والموت؛ {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} به قوداً قبل أن أبلغهم رسالتك.
قال ابن كثير (6/138)مصدر غير محدد٦/١٣٨: "أي بسبب ذلك القبطي الذي قتله موسى بمصر، وكان ذلك سبباً لخروجه من مصر خائفاً يترقب إلى أرض مدين؛ فخاف موسى إن عاد إليهم بغير سلطان قاهر أن يبادروه بالقتل طلباً للثأر والدم قبل أن يسمعوا دعوته".
بين القرطبي (13/95)مصدر غير محدد١٣/٩٥: سماه موسى ذنباً مراعاة لزعمهم واعتقادهم؛ أو سماه ذنباً من حيث إنه ارتكب فعلاً استغفر منه لقوله في القصص: {هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}، ولم يكن قتلاً عمداً ولا خيانة، بل كان دفعاً لصائل وبطشاً غير مقصود للموت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَهُمْ}: الواو عاطفة، لهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{عَلَيَّ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من "ذنب".
{ذَنبٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة؛ والذنب في الأصل مأخوذ من الذَنَب (وهو ذيل الشيء وعاقبته المؤخرة)، وسميت الجريمة ذنباً لما يتبعها من العقاب والمسؤولية.
{أَن يَقْتُلُونِ}: أن مصدرية، يقتلون فعل مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة رسماً مفعول به. والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ "أخاف".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تمام استعراض الموانع الواقعية: بعد أن ذكر المانع النفسي ({يَضِيقُ صَدْرِي})، والمانع اللساني ({لَا يَنطَلِقُ لِسَانِي})، ذكر المانع الأمني والقضائي التاريخي ({وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ})؛ لتكتمل صورة التحديات الكبرى وتبرز عظمة المعجزة التي ستحميه وتبطل كيدهم.
التناسق مع قصة القصص: هذا المشهد يكمل تفاصيل قصة موسى التي بسطت في سورة القصص وطه؛ ليظهر أن كتاب الله يفسر بعضه بعضاً في نسق متآزر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عصمة موسى من كبائر القتل:
إجماع علماء السنة على أن قتل القبطي لم يكن قتلاً عمدياً عدوانياً؛ بل كان وكزة لدفع اعتدائه وظلمه لبني إسرائيل، والموت حصل خطأً دون نية إزهاق الروح ودون استعمال آلة قاتلة في الغالب.
الأنبياء معصومون من الكبائر والجرائم، وموسى استغفر ربه تأدباً لكونه لم يؤمر بالقتال حينئذ.
التعبير بالذنب من باب المشاكلة:
إطلاق لفظ {ذَنبٌ} هنا محمول على المشاكلة ومجاراة لغة فرعون وقومه؛ أي ما يعدونه هم ذنباً وجريمة تستوجب قتلي، أو سمي ذنباً لتسببه في تبعة قضائية معقدة.
تقديم شبه الجملة {وَلَهُمْ عَلَيَّ}: لإبراز الخصومة والمطالبة الجائرة المعلقة في رقبة موسى من جهتهم.
التعبير بـ {يَقْتُلُونِ}: استحضار لخطر الموت المحقق المحدق به في عقر دار فرعون؛ ليعظم فضل الله وأمانه في قوله التالي: {قَالَ كَلَّا}.
تدبر رعاية الله لأوليائه: كيف يحمي الله نبيه الذي تطلبه أجهزة أعتى دولة في العالم بالقتل والدم، فيدخله في نفس القصر آمناً منتصراً بسلطان المعجزات الباهرة!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تقدير الحسابات الأمنية والواقعية: الحذر والفطنة من مكائد الخصوم وتاريخهم العدائي، وعدم الاستهانة بالملفات والاتهامات السابقة التي قد يستغلها الباطل لاغتيال أهل الحق.
الثقة بكفاية الله مع الخوف الطبيعي: أن يجمع الداعية بين الحذر والتحرز البشري وبين التوكل المطلق على الله الذي يحفظ عباده من كيد الفجار.
الاعتراف بالخطأ والاستغفار منه: استحضار ندم موسى واستغفاره، وتأدب المسلم مع ربه عند تذكر زلاته وهفواته السابقة.