روى الطبري (19/433)مصدر غير محدد١٩/٤٣٣ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} قالوا: نزل هذا القرآن بلغة العرب وفصحاهم، بأفصح لغة وأوضح بيان وأبين لسان؛ ليفهموه ويدركوا معانيه ولا يكون لهم عذر في التكذيب بحجة العجمة أو الغموض.
قال ابن كثير (6/165)مصدر غير محدد٦/١٦٥: "أي نزل هذا القرآن بلسانك العربي الفصيح الكامل الشافي، لتبينه للناس بياناً واضحاً لا لبس فيه ولا التباس؛ فأنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، في أشرف بقاع الأرض، وكان ابتداؤه في أشرف شهور العام وهو رمضان؛ فكمل من كل الوجوه".
قال القرطبي (13/129)مصدر غير محدد١٣/١٢٩: "المبين: أي المبيِّن للحق من الباطل، والحلال من الحرام؛ أو الذي أبان فصحته وإعجازه لكل من سمعه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بِلِسَانٍ}: الباء حرف جر للمصاحبة أو الملابسة، {لِسَانٍ}: اسم مجرور بالكسرة متعلق بالفعل {نَزَلَ} أو بمحذوف حال من القرآن؛ واللسان هنا هو اللغة والبيان والنطق.
{عَرَبِيٍّ}: نعت لـ {لِسَانٍ} مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو منسوب إلى العرب.
{مُّبِينٍ}: نعت ثانٍ لـ {لِسَانٍ} مجرور بالكسرة؛ وهو اسم فاعل من أبان، أي ظاهر بيّن في نفسه، ومبيّن وموضح لغيره من المعاني والشرائع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إتمام أركان الإعجاز القرآني:
ختمت الآية منظومة التنزيل ببيان لغته: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}؛ لتنقطع أعذار قريش والعرب قاطبة؛ فالكتاب نزل بلغتهم التي يتفاخرون بها وينظمون بها المعلقات؛ فعجزهم عن الإتيان بسورة من مثله برهان عقلي قاطع على أنه وحي معجز من رب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة نزول القرآن بلسان عربي:
محاكمة لغوية وفلسفية: اللغة العربية تتميز بالسعة والاشتقاق والإيجاز ودقة التعبير والقدرة على حمل أدق المعاني الروحية والتشريعية؛ فكان اختيارها وعاءً للرسالة الخاتمة عين الحكمة الإلهية؛ ومع ذلك فالقرآن وإن نزل بلسان عربي مبين، فإن رسالته وهدايته عالمية عامة لجميع الأجناس واللغات؛ واللسان العربي وسيلة البلاغ الأمثل.
تنكير {لِسَانٍ}: للتعظيم والتشريف؛ أي بلسان فريد عظيم لا يدانيه لسان.
الجمع بين صفتي {عَرَبِيٍّ} و{مُّبِينٍ}: لأن اللسان قد يكون عربياً ولكنه وحشي غريب معقد؛ فوصفه بـ {مُّبِينٍ} لينفي كل تعقيد وغموض؛ فهو في غاية الفصاحة والإبانة والوضوح.
تدبر شرف العربية: شرف اللغة العربية مستمد من كونها لغة القرآن المجيد، والاعتزاز بها وحفظها جزء من حفظ الدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العناية باللغة العربية وتعلّمها: فهم القرآن وتدبره فرع عن فهم اللسان العربي؛ فتعلم العربية من الدين ووسيلة لتذوق إعجاز الوحي.
وضوح الخطاب الدعوي: على الداعية أن يتوخى البيان والفصاحة والوضوح في خطابه للناس دون تقعر ولا غموض منفر.