تقرير سنة العدل الإلهي في إقامة الحجة بالإعذار والإنذار قبل الإهلاك:
روى الطبري (19/440)مصدر غير محدد١٩/٤٤٠ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ} قالوا: ما أهلكنا قرية من القرى المكذبة السالفة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، إلا بعد أن بعثنا إليهم رسلاً ينذرونهم عذاب الله ويبينون لهم الحجة ويقطعون معاذيرهم؛ فلا يهلك أحد إلا بعد البلاغ المبين.
قال ابن كثير (6/167)مصدر غير محدد٦/١٦٧: "يخبر تعالى عن عدله في خلقه، وأنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد إعذاره إليهم ببعثة الرسل وإنزال الكتب؛ كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}، وقال: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}".
قال القرطبي (13/133)مصدر غير محدد١٣/١٣٣: "المنذرون: هم الرسل وأتباعهم الدعاة؛ فبين سبحانه أن الهلاك لم يكن بظلم ولا مفاجأة بلا حجة، بل بعد تقدم النذارة والإعذار".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية، {مَا}: نافية مبنية على السكون.
{أَهْلَكْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بـ (نا)، و(نا) فاعل.
{مِن}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
{قَرْيَةٍ}: مجرور لفظاً بـ {مِن} وعلامة جره الكسرة، منصوب محلاً على أنه مفعول به للفعل {أَهْلَكْنَا}.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر ملغاة.
{لَهَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{مُنذِرُونَ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة الاسمية {لَهَا مُنذِرُونَ} في محل نصب حال من {قَرْيَةٍ} وصح مجيء الحال من النكرة لأنها سُبقت بنفي واستغراق، أو في محل جر نعت لـ {قَرْيَةٍ} على اللفظ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تلخيص السنن الكونية للقصص الخمس السابقة:
بعد أن استعرضت السورة هلاك المكذبين من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، قررت هذه الآية القاعدة السننية الحاكمة لكل تلك الوقائع: أن الله لم يهلك قرية واحدة إلا بعد أن سبقتها النذارة التامة بالرسل الكرام؛ فكان الهلاك حكماً قضائياً عادلاً لا ظلم فيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنزيه الله عن الظلم وقاعدة الإعذار قبل العقاب:
محاكمة عقدية وتشريعية: لا تعذيب في شرع الله ولا إهلاك إلا بعد قيام الحجة بالرسالة؛ فالله تعالى لا يؤاخذ الناس بمجرد ما ركّب فيهم من عقول دون أن يبعث إليهم رسلاً يبينون لهم أوامره ونواهيه تفصيلاً؛ وهذا منتهى الرحمة والعدل؛ فلا حجة لأمة هلكت أنها لم تكن تدري.