روى الطبري (19/382)مصدر غير محدد١٩/٣٨٢ عن قتادة ومجاهد: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} أي ولا تفضحني ولا تعذبني ولا تهني على رؤوس الأشهاد يوم يبعث الله الخلائق من قبورهم للحساب والجزاء.
قال ابن كثير (6/153)مصدر غير محدد٦/١٥٣: "أي: وقني العار والخزي يوم القيامة حين يُنشر الخلق من الأولين والآخرين وتقوم الأشهاد؛ وقد تقدم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن إبراهيم عليه السلام يلقى أباه آزَرَ يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول: يا رب، إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين".
قال القرطبي (13/107)مصدر غير محدد١٣/١٠٧: "الخزي هو الإهانة والفضيحة وإظهار العيوب وسوء المنقلب، فاستعاذ الخليل من أن يلحقه شيء من ذلك أمام الخلائق يوم الحساب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَا}: الواو عاطفة على الأدعية السابقة، {لَا}: حرف نهي ودعاء وتضرع جازم مبني على السكون.
{تُخْزِنِي}: فعل مضارع مجزوم بـ {لَا} وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره (أنت)، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به. وأصل الخزي: الهوان والذل والسقوط الذي يورث الحياء والندامة.
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بالفعل {تُخْزِنِي}، وهو مضاف.
{يُبْعَثُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل؛ والجملة في محل جر بالإضافة لـ {يَوْمَ}؛ والمراد بالضمير: العباد والخلائق أجمعون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج دعوات النجاة بالأمن من الفضيحة الكبرى:
بعد أن سأل الخليل الجنة والمغفرة لنفسه ولأبيه، سأل الوقاية من الخزي في المحشر؛ لأن العبد قد يدخل الجنة بعد أن يمر بمواقف خزي ومحاسبة عسيرة تفتضح فيها سرائره، فسأل الخليل كمال الستر والعافية والأمن التام يوم البعث؛ ليكون نعيماً خالصاً لا تشوبه ذلة ولا مساءلة مفضحة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يخاف الخليل الخزي وهو سيد الأولياء وأكرمهم على الله؟
الجواب: الخوف من الخزي من لوازم معرفة الله وجلاله؛ فكلما كان العبد أعرف بعظمة الملك القدوس كان أشد إشفاقاً من هيبة الموقف وعرصات القيامة؛ فالأمن من مكر الله وعذابه صفة الخاسرين، والإشفاق والوجل من صفات المقربين، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}.
بناء الفعل للمجهول في {يُبْعَثُونَ}: تهويلاً للمشهد وتركيزاً على الحدث المهيب (البعث الجماعي المفاجئ)، ولأن الفاعل معلوم وهو الله وحده محيي الموتى.
التعبير بـ {الخِزْي}: لأن العذاب النفسي بالفضيحة وإهانة الكرامة أمام الأولين والآخرين قد يكون أشد على النفوس الكريمة من العذاب الحسي.
تدبر مقام الحياء: الأنبياء لا يخافون النار فحسب، بل يستحيون من لقاء الله ومعاتبة التقصير في يوم تبلى فيه السرائر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعاذة الدائمة من خزي المحشر: ينبغي للمسلم أن يلهج بهذا الدعاء النبوي الإبراهيمي: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}، وأن يعمل في السر ما يبيض وجهه في العلن.
ستر عورات المسلمين: من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله يوم القيامة، ومن تتبع عورات الناس فضحه الله في قعر بيته وعلى رؤوس الأشهاد.