روى الطبري (19/409)مصدر غير محدد١٩/٤٠٩ عن قتادة ومجاهد: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي ولسنا بمعذبين لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ظنوا أن قوتهم وبطشهم ومصانعهم تحميهم من عذاب الدنيا، وأنكروا البعث والنشور فزعموا أنه لا عذاب في الآخرة أصلاً.
قال ابن كثير (6/159)مصدر غير محدد٦/١٥٩: "أي جحدوا البعث والجزاء، وأنكروا أن يعذبهم الله على ما هم عليه، اغتراراً بأموالهم وأولادهم وقوتهم المادية، كما قال تعالى: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}".
قال القرطبي (13/117)مصدر غير محدد١٣/١١٧: "أيقنوا بالسلامة وأمنوا مكر الله، فأكذبوا الرسل في الوعيد بالعذاب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو عاطفة، {مَا}: نافية تعمل عمل ليس (أو مهملة).
{نَحْنُ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع اسم (ما) أو مبتدأ.
{بِمُعَذَّبِينَ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي؛ {مُعَذَّبِينَ}: اسم مفعول مجرور لفظاً بالباء وعلامة جره الياء، منصوب محلاً على أنه خبر (ما)؛ والمراد به: المنفي عنهم وقوع أي لون من ألوان العذاب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة التمرد والأمن من مكر الله:
بعد أن قالوا {سَوَاءٌ عَلَيْنَا}، ثم ادعوا أنه {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ}، ختموا صلفهم بالإنكار القاطع المطلق للجزاء والعقاب: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}؛ فكان هذا القول هو التحدي الصريح الذي استوجب نزول الصاعقة وبطش الجبار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الأمن من مكر الله علامة الهلاك المحتوم:
محاكمة سننية: ما نطق طاغية بهذه الكلمة: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} إلا أتاه العذاب من حيث لا يحتسب؛ لأن الأمن التام من مكر الله والاستهزاء بالوعيد هو منتهى الفجور، كما قال تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}؛ فاغترارهم بأجسادهم وقصورهم كان هو الفخ الذي أطبق عليهم.
تدبر سخرية الأقدار: قالوا بكل غطرسة: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}، فما هي إلا لحظات حتى أظلمت سماءهم ريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فترى القوم فيها صرعى!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الأمن من مكر الله: المؤمن يعيش بين الخوف والرجاء؛ كلما زادت نعمه زاد وجله من أن تكون استدراجاً، ولا يأمن العذاب إلا خاسر.